يحدث أن يرى النائم ذباباً يقترب من أنفه أو يدخله، فيستيقظ مضطرباً وقد يعطس أو يحرك وجهه. وهذا المشهد يختلف في ظلاله عن مشاهد العين والفم، فالأنف في الرموز يرتبط بالتنفس والشم والكرامة والحساسية تجاه ما يحيط بالإنسان. وهو حلم حسي مزعج لكنه لا يحمل في الغالب ثقلاً. ونذكّر بأن التفسير رمزي اجتهادي لا يقطع بحكم، وأن الرؤيا لا تتحقق بصورتها الحرفية.
وأقرب القراءات أن الحلم يتصل بتأثر الرائي بما حوله من أجواء وأحاديث، كأن شيئاً صغيراً يضايقه في الجو العام الذي يعيش فيه. فالأنف هو منفذ الإنسان إلى الهواء المحيط به، وما يدخله يرمز عند بعضهم إلى ما يتأثر به الإنسان من الأجواء. وقد يشير ذلك إلى حساسية مفرطة تجاه أمر عابر أو جو غير مريح في مكان عمل أو مجلس. وهذا معنى نفسي أكثر منه غيبي.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الذباب يدل على الضعاف المنغصين، وأن الأنف قد يرتبط بالعزة والمنزلة عند بعضهم. وذهب بعض المفسرين إلى أن ما يقع على الأنف من الأمور الصغيرة قد يشير إلى مضايقات يسيرة تمس الإحساس بالكرامة دون أن تؤثر فيها. وقد اختلفت آراؤهم اختلافاً كبيراً في ذلك، ولا ينبغي أن تُوجّه إلى أحد أو تُتخذ للاتهام. فهي صور تدور حول نفس الرائي.
وتتفاوت الدلالة بحسب التفاصيل، فإن كان الذباب يحوم حول الأنف فقط فالأمر هاجس، وإن دخل فقد يكون التأثر أعمق. وإن استطاع الرائي إخراجه أو إبعاده فذلك يرمز إلى قدرته على دفع ما يضايقه. وإن عطس وتخلص منه فقد يدل على راحة بعد ضيق. ومشاعره من الاشمئزاز أو الضجر لها دلالتها.
وللرجل قد يشير الحلم إلى انزعاج من جو العمل أو من مجلس لا يرتاح إليه، أو إلى أمر يمس إحساسه بالاحترام. وللمرأة المتزوجة قد يعبر عن انزعاج من أجواء في البيت أو مناسبة اجتماعية. وللفتاة غير المتزوجة قد يرمز إلى حساسيتها تجاه تعليقات الناس وأجوائهم. وكل ذلك احتمالات لا يلزم أي منها.
وللحامل قد يكون الحلم انعكاساً لحساسية الشم المعروفة في هذه المرحلة، فيظهر في المنام ما يزعج الحواس، وهو أمر طبيعي. وللتاجر قد يشير إلى انزعاج من بيئة السوق أو منافسة صغيرة تضايقه دون أن تضره. ولا يُفهم من هذا نذير بشيء، بل هو دعوة رمزية إلى الحفاظ على الهدوء وعدم الانفعال. فالتاجر الهادئ أبصر بتجارته.
ومن الدقائق أن يلاحظ الرائي هل كان في الحلم رائحة معينة ترافق الذباب، وهل كان المكان مفتوحاً أم مغلقاً. وأن ينتبه إلى أن الحلم قد يتأثر بحال الأنف الحقيقية كزكام أو غبار أو جفاف هواء، فتظهر في المنام صور مناسبة. وهذا احتمال وارد، ولا يُعدّ الحلم دليلاً على مرض. وإن كان الرائي يشكو من أنفه فليستشر طبيباً.
وفي الجانب النفسي والعملي، قد يكون الحلم دعوة إلى تخفيف الحساسية تجاه المنغصات الصغيرة، والتدرب على الاتساع في الصدر والتغاضي عما لا يضر. ومن الأمور النافعة تهوية المكان وترتيبه وتنظيفه، فالبيئة النظيفة الهادئة تقلل التوتر. وكذلك الابتعاد قدر المستطاع عن الأجواء المرهقة، والاكتفاء من الراحة. والصبر وحسن الخلق يحفظان كرامة المرء أكثر من الانفعال.
ومما ينفع أن يميّز الرائي بين ما يستحق الاعتراض عليه وما يستحق التغافل عنه، فالأول يُعالج بحكمة والثاني يُترك. وبهذا التمييز يحفظ نفسه من الإرهاق بالصغائر. وهو من أنفع ما يتعلمه الإنسان في معاملاته وعلاقاته.
ولا يخفى أن النوم نفسه يتأثر بحال التنفس، فمن نام وهو محتقن الأنف أو في غرفة جافة الهواء أو مغبرة قد يرى في منامه صوراً تتعلق بالأنف ومداخل الهواء. وهذا السبب البسيط يفسر كثيراً من أحلام هذا الباب دون حاجة إلى رموز. ولذلك ينصح بالتأكد من تهوية الغرفة ونظافتها ومن راحة الجسم قبل الانشغال بتأويل الحلم، فإن الراحة الجسدية كثيراً ما تهدئ الأحلام المزعجة وتجعل النوم أصفى وأطول.
وقد يلاحظ الرائي أن هذا الحلم يأتيه إذا كان يمر بفترة يضطر فيها إلى التعامل مع أناس أو أجواء لا تريحه، فيكون الذباب الذي يزعج الأنف تعبيراً رمزياً عن ذلك الضيق. وفي هذه الحال لا حاجة إلى إلقاء اللوم على أحد، فقد يكون الأنفع أن يخفف الرائي من وجوده في تلك الأجواء إن أمكن، أو أن يتسلح بالصبر وطول البال. وفي ذلك راحة للنفس وحفظ للعلاقات من التوتر.
ومن الجدير بالذكر أن بعض المفسرين لم يعطوا لأحلام الحواس الجسدية وزناً كبيراً، لأنها غالباً ما تكون ناتجة عن عوارض بدنية بسيطة. ولهذا فمن الأفضل أن يضع الرائي هذا الاحتمال في الحسبان قبل أن يبحث عن رمز عميق. وإذا لم يجد في يقظته ما يدل على ضيق أو انزعاج فليطمئن، وليتجاوز الحلم دون أن يترك له أثراً في نفسه.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، ولا يصح أن يكون أساساً لقرار حقيقي في الحياة ولا لحكم على أحد. والأولى أن يقابل الرائي رؤياه بالدعاء وحسن الظن بالله، وأن يوقن أن الغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فمن أحسن ظنه بربه هدأ تنفسه واطمأنت نفسه.
