قد يرى النائم ذباباً في أيام الصيف، يحوم حول المائدة أو في الحديقة أو عند النوافذ المفتوحة، وهو مشهد مألوف في الحياة اليومية يتكرر في الأحلام. وهي رؤيا شائعة، لأن الذباب والصيف مرتبطان في أذهان الناس ارتباطاً طبيعياً. وينبغي أن نؤكد أن تفسير الأحلام رمزي لا حرفي، فالموسم والذباب صورتان ذهنيتان لا تدلان على حدث بعينه. وما نذكره قراءات محتملة، تُقال على سبيل الاجتهاد، وكثيراً ما تكون الصورة هنا بسيطة لا تحتاج إلى تأويل كبير.
الذباب عند من يقرأونه رمزياً بحذر صورة للمنغصات الصغيرة والأمور العابرة المزعجة. أما الصيف فيرتبط بالحرارة والحركة والانفتاح وكثرة الخروج واللقاءات والسفر. ولذلك قد يُفهم ظهور الذباب في الصيف على أنه رمز لمنغصات صغيرة مصاحبة لفترة النشاط والحركة، كمشاغل المواسم والزيارات والتجهيزات. وفي هذا المعنى أن هذه المنغصات متوقعة وموسمية، لا تدل على شيء خارج عن المألوف. وهذا كله احتمال لا جزم فيه، يرتبط بحال الرائي وظروفه.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الحشرات الصغيرة تدل على منغصات هينة، وأن للأزمنة والفصول في المنام دلالة تتعلق بتوقيت الأمور. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى اعتبار الزمان قرينة على طبيعة الأمر وموسمه. غير أن المفسرين اختلفوا في تفاصيل هذه الصور ولم يتفقوا على قول واحد. ولا ينبغي أن تُوجَّه هذه الأقوال إلى أحد من الناس أو فئة منهم، فالمقصود صور رمزية في المنام لا غير، ولا تصلح لاتهام أحد.
وتتغير القراءة بحسب مشهد الصيف: فإن كان الجو حاراً خانقاً فقد يوحي بأن الأمور الصغيرة تتضاعف بسبب التعب، وإن كان لطيفاً فقد يوحي بأنها خفيفة. وإن كان الذباب حول طعام المائدة فقد يتصل بشؤون البيت والضيافة، وإن كان في الحديقة فقد يتصل بما هو خارج البيت من أمور ومعارف. وإن كان في مكان عمل فقد يتصل بالانشغال المهني. ويضاف إلى ذلك كثرة الذباب وحركته، وشعور الرائي من ضيق أو اعتياد.
وللفتاة غير المتزوجة قد يشير المشهد إلى مشاغل الإجازة أو اللقاءات العائلية أو السفر وما فيها من صغائر مزعجة. ويرى بعضهم أن فيه تنبيهاً إلى أن تحسن تنظيم وقتها في هذه الفترة، وهذا ظن لا يقين. وإن كانت مرتاحة في الحلم فلا يحمل المشهد أكثر من صورة موسمية. وعليها ألا تربط المنام بأحد من أقاربها أو معارفها، فهو رمز يخص أيامها.
وللمرأة المتزوجة قد يتصل المشهد بمشاغل البيت الصيفية من ضيافة وتجهيز ومناسبات وسفر، وما فيها من متاعب صغيرة. وللرجل قد يتصل بنشاط موسمي في العمل أو سفر وتنقل وما يصاحبه من أمور صغيرة تحتاج إلى متابعة. ويقول بعض المفسرين إن العبرة بحال الرائي وظروفه، فالموسم يُقرأ بحسب ما يعيشه الإنسان. وهذه احتمالات عامة لا تُتخذ أساساً لقرار.
ومن التفاصيل الدقيقة: هل كان الطقس خانقاً أم معتدلاً؟ وهل كان الرائي جالساً في الظل أم تحت الشمس؟ فالظل قد يوحي بالراحة، والشمس الشديدة قد توحي بالإرهاق. وهل كانت النوافذ مفتوحة؟ فذلك قد يرمز إلى انفتاح الإنسان على الناس وما يأتي معهم من صغائر. وهل شعر الرائي بالانزعاج الشديد أم بالاعتياد؟ فالاعتياد يوحي بتقبل الأمر. وكل ذلك يؤخذ على سبيل التأمل، دون أن يتحول إلى حكم.
وفي أغلب الأحيان يكون هذا الحلم صدى مباشراً لما يعيشه الإنسان في أيام الصيف، فالذباب حاضر في أذهاننا في هذا الموسم، فيظهر في أحلامنا بلا معنى خاص. وفي هذه الحالة لا تحتاج الصورة إلى تأويل، فهي مجرد انعكاس للمألوف. وفي هذا طمأنة لمن بحث عن دلالة كبرى، فليست كل صورة في المنام رسالة. والأحلام في الغالب مرآة لما يشغل الذهن في يومه.
وعملياً، ينفع من رأى هذه الصورة أن يعتني بنظافة بيته وطعامه في الصيف، فيغطي ما يلزم ويتخلص من النفايات في أوقاتها ويهوي المكان. وليحافظ على هدوئه أمام المنغصات الموسمية، فهي تزول بانتهاء أسبابها. وإن كان يسافر أو يستضيف فليرتب أموره مسبقاً حتى تقل المفاجآت الصغيرة. والتنظيم والصبر وحسن الاستعداد من أعظم ما يعين على قضاء الأيام بسكينة.
وفي الختام، فإن كل ما ذُكر هنا اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يُبنى عليه قرار حقيقي في المال أو السفر أو العلاقات. فالرؤيا صورة عابرة لا تكشف الغيب. وأولى ما يفعله من رأى شيئاً منها أن يحسن الظن بالله، ويدعوه بالتيسير والبركة، ويمضي في أمره بتوكل. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما سواه تقدير بشري محدود.
