قد يرى النائم ذباباً يحوم حول مصباح مضاء أو يتحرك في ضوء الشمس الداخل من نافذة أو يلمع في شعاع ضوء داخل الغرفة. وهي صورة مألوفة، تجمع بين رمز الذباب ورمز النور، وقد تبدو غريبة من حيث اجتماع المزعج والمنير. وينبغي أن نؤكد أن تفسير الأحلام رمزي لا حرفي، فالضوء والذباب صورتان لا تدلان على حدث بعينه. وما نذكره قراءات محتملة تُقال على سبيل الاجتهاد، وتتفاوت بحسب حال كل رائٍ.
الذباب عند من يقرأونه رمزياً بحذر صورة للمنغصات الصغيرة والأمور العابرة المزعجة. أما الضوء فيرتبط في الرموز العامة بالوضوح والظهور وانكشاف الأمور. ولذلك قد يُفهم ظهور الذباب في الضوء على أن المنغصات الصغيرة صارت ظاهرة بيّنة للرائي، فيراها بحجمها الحقيقي ولا يضخمها الغموض. وهذا قد يكون خيراً، إذ إن الأمر الذي يُرى بوضوح يسهل التعامل معه. وكل ذلك احتمال لا جزم فيه، ويتغير بحسب شعور الرائي وحاله.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الحشرات الصغيرة تدل على منغصات هينة وخصوم ضعاف، وأن للنور في المنام دلالات تتصل بالبيان والانكشاف. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى اعتبار الضوء قرينة على وضوح الأمر بعد غموض. غير أن المفسرين اختلفوا في تفاصيل هذه الصور ولم يتفقوا على قول واحد. ولا ينبغي أن تُوجَّه هذه الأقوال إلى أحد من الناس، فالمقصود رموز داخل الحلم لا غير، ولا تصلح لاتهام أحد أو الحكم عليه.
وتتغير القراءة بحسب نوع الضوء: فضوء الشمس الطبيعي قد يوحي بوضوح عام وبساطة، وضوء المصباح قد يوحي بأمر يُسلَّط عليه الانتباه عمداً، وضوء الشمعة أو الضوء الخافت قد يوحي بأن الأمر لم يتضح كل الوضوح. وإن كان الذباب يحوم حول المصباح فقد يُقرأ ذلك على أن الأمور الصغيرة تنجذب إلى ما يشغل الذهن. ويضاف إلى ذلك شدة الضوء وهدوئه، وهل شعر الرائي بالراحة أم بالتشويش.
وللفتاة غير المتزوجة قد يشير المشهد إلى أنها بدأت ترى بوضوح بعض الأمور الصغيرة التي كانت تضايقها وتغشاها الحيرة. ويرى بعضهم أن فيه إشارة إلى صفاء الذهن بعد تردد، وهذا ظن لا يقين. وإن كان الضوء مزعجاً لها فقد يعني الأمر أنها لا ترتاح لانكشاف أمور تفضل سترها، وهذا من باب التأمل. وعليها ألا تظن بأحد بسبب المنام، فالصور رمزية تخص حالها.
وللمرأة المتزوجة قد يتصل المشهد بوضوح بعض أمور البيت الصغيرة وما يحتاج منها إلى ترتيب، بعد أن كانت تلتبس عليها. وللرجل قد يتصل بوضوح مسألة صغيرة في العمل كان يتعامل معها بغموض. ويقول بعض المفسرين إن العبرة بحال الرائي، فالضوء يُقرأ بحسب ما في نفس صاحبه. وهذه احتمالات عامة، لا ينبغي أن تُتخذ أساساً لقرار أو تصرف.
ومن التفاصيل الدقيقة: هل كان الذباب كثيراً حول الضوء أم قليلاً؟ فالكثرة قد توحي بتزاحم الأفكار حول أمر واضح، والقلة قد توحي بأن الأمر لا يستحق الانشغال. وهل كان الرائي يحاول إطفاء الضوء أو ابتعاد الذباب؟ فذلك قد يعني رغبته في ستر الأمر وعدم مواجهته. وهل انتهى الحلم والضوء ساطع؟ فذلك أقرب إلى الاطمئنان. ولون الضوء أيضاً قد يضيف قرينة، فالدافئ منه يميل إلى السكينة.
وقد يكون الحلم في بعض الأحيان مجرد انعكاس لمشاهد مألوفة في الحياة اليومية، فالذباب ينجذب إلى الضوء في الواقع، وقد يكون الرائي رأى ذلك قبل نومه أو كان في غرفته مصباح شديد الإضاءة. وفي هذه الحالة لا تكون للصورة دلالة خاصة، فالحلم يعيد ترتيب ما رآه الإنسان في نهاره. وفي هذا طمأنة لمن بحث عن معنى كبير. ويبقى الأمر كله رهن ظروف الرائي.
وعملياً، ينفع من رأى هذه الصورة أن يواجه الأمور الصغيرة بوضوح بدل أن يتركها في الظل. فكثير من المنغصات تكبر في الغموض وتصغر حين تُقال وتُبحث بهدوء. وليحرص على إضاءة جيدة في مكان عمله ومعيشته، وعلى ترتيب أغراضه بحيث لا يتشتت. والحوار الصريح اللطيف مع من يلزم الحوار معه أنفع من الكتمان. والصبر وحسن الظن بالناس يخففان وطأة الصغائر.
وفي الختام، فإن كل ما سبق اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يُبنى عليه قرار حقيقي في المال أو العمل أو العلاقات. فالرؤيا صورة عابرة لا تكشف الغيب. ومن رأى ما أزعجه فليحسن الظن بالله ويدعه بالتيسير، ثم يمضي في حياته بطمأنينة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما سواه تقدير بشري محدود.
