قد يرى النائم ذباباً في فصل الشتاء، يحوم في غرفة دافئة أو يقف على نافذة باردة، مع أن العادة أن يقل الذباب في هذا الموسم. وهي صورة تلفت الانتباه لغرابة الجمع بين الذباب والبرد، وتُروى أحياناً عند من يتأملون المفارقات في أحلامهم. وينبغي أن نؤكد أن تفسير الأحلام رمزي لا حرفي، فالموسم في المنام صورة ذهنية لا تدل على حدث بعينه. وما نذكره قراءات محتملة، تُقال على سبيل الاجتهاد دون جزم.
الذباب عند من يقرأونه رمزياً بحذر صورة للمنغصات الصغيرة والأمور العابرة المزعجة. أما الشتاء فيرتبط في الأذهان بالبرد والسكون والانكفاء إلى البيوت وقلة الحركة. ولذلك قد يُفهم ظهور الذباب في الشتاء على أنه رمز لمنغّص صغير جاء في غير أوانه، أو لأمر ظن الرائي أنه انتهى زمنه ثم ظهر من جديد. وقد يرمز كذلك إلى أمر صغير متأخر يحتاج إلى معالجة في وقت لم يكن يتوقعه. وكل ذلك احتمال لا جزم فيه، ويتصل بحال الرائي وظروفه.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الحشرات الصغيرة تدل على منغصات هينة، وأن للفصول والأوقات في المنام دلالة تتعلق بتوقيت الأمور. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى اعتبار الزمان قرينة على موعد الأمر وأحواله. غير أن المفسرين اختلفوا في تفاصيل هذه الصور اختلافاً واسعاً، ولا يوجد قول واحد مقطوع به. ولا يصح أن تُسقط هذه الأقوال على أي إنسان حقيقي أو جماعة من الناس، فالمقصود صورة رمزية داخل الحلم وحده.
وتتغير القراءة بحسب هيئة الشتاء في المنام: فإن كان الجو بارداً قارساً فقد يوحي بأن المنغّص يظهر في وقت صعب، وإن كان دافئاً لطيفاً فقد يوحي بأن الأمر خفيف. وإن كان الذباب في البيت الدافئ فقد يُقرأ ذلك على أن الأمر يتصل بالبيت وراحته، وإن كان خارج البيت قرب النافذة فقد يتصل بما يأتي من الخارج. ويضاف إلى ذلك كثرة الذباب وحركته، وهل كان بطيئاً خاملاً أم نشيطاً. وللشعور أثر: فالدهشة قد تعني خروج الأمر عن المألوف.
وللفتاة غير المتزوجة قد يشير المشهد إلى أمر صغير ظنت أنه انتهى ثم عاد إلى ذهنها، كذكرى أو حديث قديم أو انشغال متأخر. ويرى بعضهم أن فيه دعوة إلى أن تتعامل معه بهدوء دون أن تدعه يعكر أيامها، وهذا ظن لا يقين. وعليها ألا تظن بأحد بسبب المنام، فالمنغّص رمز لفكرة لا لإنسان. وإن لم تجد في نفسها أي صلة بالصورة فلا حرج، فهي قد تكون مجرد حلم عابر.
وللمرأة المتزوجة قد يتصل المشهد بأمور صغيرة في البيت كانت مؤجلة حتى ظهرت في وقت غير مناسب، كإصلاح أو ترتيب أو تجهيز. وللرجل قد يتصل بمسألة صغيرة في العمل أو في شأنه ظهرت بعد ظنه أنها انقضت. ويقول بعض المفسرين إن العبرة بحال الرائي وظروفه، فالموسم في الحلم يُقرأ بحسب ما يعيشه. وهذه احتمالات عامة، لا ينبغي أن تُتخذ سنداً لقرار.
ومن التفاصيل الدقيقة: هل كان في المشهد ثلج أو مطر؟ فذلك قد يضيف معنى الصفاء والتجدد إلى الصورة. وهل كان الذباب بطيئاً ضعيفاً من البرد؟ فذلك قد يوحي بأن المنغّص ضعيف الأثر. وهل شعر الرائي بالدفء في المكان؟ فالدفء قد يوحي بالأمان رغم المنغص. وهل حاول إخراج الذباب أو تركه؟ فإخراجه قد يوحي بالمبادرة وتركه قد يوحي بالتسامح. وكل ذلك يؤخذ على سبيل التأمل لا الحكم.
وفي كثير من الأحيان يكون هذا الحلم صدى لما يحدث في الواقع، فقد يظهر ذباب أو حشرات صغيرة في البيوت الدافئة شتاءً، فيحتفظ العقل بالمشهد. وفي هذه الحالة لا يكون لها معنى خاص، وإنما هي بقايا مما رآه الإنسان أو فكر فيه. وفي هذا طمأنة لمن بحث عن معنى كبير، فليست كل صورة تحمل رسالة. وتبقى الأحلام في معظمها خليطاً من الذكريات والمشاعر العابرة.
وعملياً، ينفع من رأى هذه الصورة أن ينظر فيما أجّله من أمور صغيرة ظنها قد انقضت أو لا تستعجل، فيسلمها وقتها قبل أن تتراكم. وليحرص على نظافة بيته وتهويته حتى في البرد، فالدفء المغلق قد يجمع ما لا يحب. والصبر والتنظيم يعينان على التعامل مع الأمور الطارئة بهدوء. وحسن التخطيط يقلل من المفاجآت الصغيرة التي تظهر في غير وقتها.
وفي الختام، فإن كل ما سبق اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يُبنى عليه قرار حقيقي في المال أو العمل أو العلاقات. فالرؤيا صورة عابرة لا تكشف الغيب. وأولى ما يفعله من رأى شيئاً منها أن يحسن الظن بالله، ويدعوه بالتيسير في أموره، ويمضي بتوكل. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما سواه تقدير بشري محدود.
