قد يرى التاجر في منامه ذباباً يحوم حول بضاعته أو في دكانه أو مكتبه أو مخزنه، فيستيقظ وقد انشغل باله بشؤون تجارته. وهي رؤيا تُروى عند أصحاب الأعمال والمتاجر، وكثيراً ما تأتي في فترات الموسم أو الجرد أو كثرة الالتزامات. وينبغي أن نؤكد أن تفسير الأحلام رمزي لا حرفي، فالذباب في المنام ليس إشارة إلى ربح أو خسارة أو إلى شخص بعينه. وما نذكره قراءات محتملة، تُقال على سبيل الاجتهاد، ولا يُبنى عليها حكم في شأن المال.
الذباب عند من يقرأونه رمزياً بحذر صورة للمنغصات الصغيرة والأمور العابرة المزعجة. وللتاجر قد تتصل هذه المنغصات بتفاصيل التجارة اليومية: مساومات صغيرة، وتأخر مورد، وحسابات متفرقة، وطلبات زبائن متنوعة، وأحاديث السوق. ويرى بعضهم أن في الصورة دلالة على كثرة الأمور الصغيرة التي تستهلك وقت صاحبها وصبره، أكثر منها على خسارة أو منافس قوي. وهذا كله احتمال لا جزم فيه، يختلف باختلاف نوع التجارة وحال صاحبها وظروف السوق.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الحشرات الصغيرة تدل على منغصات هينة وخصوم ضعاف، وأن لحال الرائي من مهنة ومنزلة أثراً في التأويل. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى اعتبار حال صاحب الرؤيا وصنعته قرينة في فهم ما يظهر له. غير أن المفسرين اختلفوا في تفاصيل ذلك اختلافاً واسعاً، ولا يوجد قول جازم متفق عليه. ولا ينبغي أن تُوجَّه هذه الأقوال نحو منافس أو شريك أو موظف أو زبون أو أي إنسان حقيقي، فالذباب رمز لا شخص، ولا يصح أن يُتخذ سبباً لسوء الظن أو للخصومة.
وتتغير القراءة بحسب مكان الذباب: فإن كان حول البضاعة فقد يتصل بالعناية بما يملكه والحرص على حفظه، وإن كان في الدكان أو المكتب فقد يتصل بإدارة العمل اليومية، وإن كان في المخزن فقد يتصل بالتنظيم والجرد. وإن كان قليلاً يسهل طرده فقد يرمز إلى أمر عابر، وإن كان كثيراً مستمراً فقد يرمز إلى ضغط يحتاج إلى تنظيم. ويضاف إلى ذلك نوع البضاعة، فالغذائية غير الملبوسات، وغير الأدوات. وشعور التاجر هو القرينة الأهم.
ومن أحوال التاجر أنه قد يكون في فترة موسم أو ركود أو توسع أو تغيير، وفي كل منها تكثر الأمور الصغيرة المتطلبة للانتباه. وفي مثل هذه الفترات قد يظهر في المنام ما يعكس انشغال الذهن بتفاصيل التجارة. ويرى بعضهم أن الأولى به أن يفرق بين المهم وغير المهم، وأن يوزع المهام على من يثق بهم. وهذا اجتهاد ظني يتفق مع حكمة التنظيم. وليس في الرؤيا ما يدل على كساد ولا رواج، فذلك مما اختص الله بعلمه، والرزق بيده وحده.
وقد تتصل الصورة كذلك بما يسمعه التاجر في السوق من أحاديث وتوقعات وشائعات صغيرة، فتتمثل في صورة ذباب يحوم دون أن يؤذي حقاً. وليس في ذلك دليل على أن أحداً قال أو فعل شيئاً بعينه، فقد تكون مجرد خواطر وتوقعات. وعليه ألا يبني على المنام ظناً بأحد من معارفه أو شركائه، فالأولى حسن الظن وتوثيق الاتفاقات بالأساليب المعروفة والمراجعة الهادئة.
ومن التفاصيل الدقيقة: هل كان الذباب على بضاعة معينة أم على المكان عامة؟ فالأول قد يتصل بنوع من التجارة، والثاني بالعمل كله. وهل كان الزبائن حاضرين في المشهد؟ فحضورهم قد يوحي بأن الأمر يتصل بالتعامل معهم. وهل طرد الذباب أم تركه؟ فطرده قد يوحي بالمبادرة إلى التنظيم، وتركه قد يوحي بالتغافل عن الصغائر. وكل ذلك قراءة ظنية لا يُبنى عليها أي قرار تجاري، فشأن التجارة يُرجع فيه إلى الحسابات الواقعية والمشورة المختصة.
وفي كثير من الأحيان لا تكون لهذه الرؤيا دلالة تتجاوز تعب الذهن بعد يوم عمل طويل، فالأحلام مرآة لما يشغل الإنسان في يقظته. وليس في الصورة ما يشير إلى ربح أو خسارة أو سوء. والأحلام التي تظهر فيها الحشرات الصغيرة شائعة جداً بين الناس عامة، أصحاب أعمال وغيرهم. فلا ينبغي أن تحمل الصورة أكثر مما تحتمل، وليكن همه أن يرتاح وينام جيداً ثم يعود إلى عمله بنفس هادئة.
وعملياً، ينفع التاجر الذي رأى هذه الصورة أن يعتني بنظافة محله ومخزنه وترتيب بضاعته، وأن يحفظ ما يحتاج إلى حفظ، فهذا من حسن الإدارة المعروف. وليراجع حساباته ومواعيد التوريد بهدوء، وليدون ما يؤجله حتى لا يتراكم. وفي التعامل مع الزبائن والموظفين فليلتزم اللين والوضوح، فالسمعة الطيبة أنفع من كثير من المال. ويحسن أن يخصص وقتاً للراحة والأهل، فالانشغال الدائم يزيد الصغائر ثقلاً.
وفي الختام، فإن كل ما ذُكر هنا اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يُبنى عليه قرار حقيقي في المال أو التجارة أو العلاقات. فالرؤيا صورة عابرة لا تكشف الغيب ولا تقرر الأرزاق. وأولى ما يفعله من رأى شيئاً منها أن يحسن الظن بالله، ويدعوه بالبركة في رزقه وتجارته، ويسعى بتوكل وأمانة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما سواه تقدير بشري محدود.
