يرى بعض الناس في منامهم ذباباً يحوم حول جيفة أو بقايا هامدة، فيستيقظون وقد تنافرت نفوسهم من المشهد. وهو من المشاهد الثقيلة على النفس، ولذلك سنتناوله بكلمات هادئة تحفظ ذوق القارئ وتبقى في إطار الرمز. فالجيفة في الرموز عند بعض المفسرين ترتبط بما انتهى وفقد حياته من أمور، كعلاقة قديمة أو مشروع مضى أو فكرة ماتت، والذباب يمثل المنغصات الصغيرة التي تحوم حول ما انقضى. ونذكّر بأن التفسير رمزي اجتهادي لا يقطع بحكم.
وأقرب القراءات أن الحلم يعبر عن تعلق الرائي بأمر قد انقضى وانتهى، فهو يعود إليه بذهنه مراراً ويتألم لما فات. فالذباب الذي يحوم حول ما هو هامد يشبه الأفكار التي تدور حول ما مضى دون جدوى. وكأن الحلم يقول إن الوقت قد حان لترك ما انتهى والالتفات إلى ما هو حي في الحياة. وهذه قراءة هادئة تدعو إلى الانطلاق لا إلى الخوف.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الذباب يدل على الضعاف المنغصين، وأن ما يكون ميتاً في الرؤى قد يُقرأ عند بعضهم على أنه أمر انتهى أو لا نفع فيه. وذهب بعض المفسرين إلى أن اجتماع المنغصات حول ما انقضى قد يشير إلى هموم تتعلق بالماضي لا بالحاضر. وقد اختلفت آراؤهم اختلافاً واسعاً، ولا يصح أن تُسقط أقوالهم على أحد من الأحياء أو الأموات ولا أن تُتخذ لاتهام أحد. فهي رموز تتعلق بنفس الرائي فحسب.
وتتغير الدلالة بتغير التفاصيل، فإن كان المشهد بعيداً عن الرائي فالأمر ذو صلة بما مضى منذ زمن، وإن كان قريباً فقد يرتبط بأمر حديث الانقضاء. وإن ابتعد الرائي بسرعة فذلك رمز لتجاوزه الماضي بسهولة، وإن بقي ينظر فقد يعبر عن تعلق. وإن كان الذباب قليلاً فالأمر خفيف، وإن كثر فقد تتعدد الأفكار المتعلقة بالماضي. ومشاعر الرائي هي الأساس.
وللرجل قد يشير الحلم إلى انشغاله بمشروع أو علاقة أو موقف مضى ولم يعد له وجود، وإلى حاجته إلى طي الصفحة. وللمرأة المتزوجة قد يعبر عن أفكار تدور حول ذكريات مضت أو أمور ندمت عليها. وللفتاة غير المتزوجة قد يرمز إلى تعلق بتجربة سابقة أو أمل لم يتحقق. وكل ذلك احتمال لا يلزم أحداً.
وللحامل قد يكون الحلم انعكاساً لمشاعر مختلطة وحساسية عالية في هذه المرحلة، وهو أمر طبيعي لا يدل على شيء. وللتاجر قد يشير إلى صفقة سابقة أو مشروع انتهى ما زال يشغله، وإلى حاجته إلى استخلاص الدرس والمضي. ولا يدل ذلك على خسارة جديدة، بل هو دعوة إلى الاستفادة من التجربة. فمن أخذ العبرة ولم يقف عندها سار أخف.
ومن الدقائق أن يتذكر الرائي موقع المشهد، أكان في مكان مألوف أم غريب، وهل كان وحده أم معه أحد، وكم كان هادئاً. فالمألوف قد يرتبط بأمور شخصية، والغريب بأمور عامة. وينبغي ألا يربط الرائي المشهد بشخص حقيقي أو فقيد، فالأمر رمزي. وقد يكون الحلم مجرد أثر لمشهد رآه في اليقظة أو في الأخبار. وهذه ظلال لا قواطع.
وفي الجانب العملي والنفسي، قد يكون الحلم دعوة إلى طي صفحات الماضي بالاعتبار والدعاء والرضا بما قدّر الله، وإلى توجيه الطاقة إلى ما هو حي ونافع في الحاضر. ومن الأمور النافعة أن يكتب الرائي ما تعلمه من تجاربه السابقة، ثم يطوي الصفحة ويبدأ خطوة جديدة. وأن يملأ وقته بما ينفع من عمل وعلم وصحبة طيبة. والصبر وحسن الظن بالله من أعظم أسباب التجاوز.
وقد ينفع كذلك أن يرتب الإنسان بيئته بحيث لا يبقى فيها ما يذكّره بما مضى ويؤلمه، فإن للأماكن أثراً على الأفكار. وهذا ليس نسياناً للأحبة ولا إنكاراً للماضي، وإنما هو تنظيم للنفس كي تمضي بسلام.
وليتذكر الرائي أن الحياة تحمل في كل يوم فرصة جديدة، وأن الماضي مهما كان ثقيلاً فهو في يد الله، وأن الله يجبر القلوب ويبدل الأحوال.
ولا ينبغي أن يظن الرائي أن ظهور هذا المشهد دليل على شيء سيئ في حياته أو في أحبائه، فهو صورة منامية رمزية قد تتولد من أخبار أو مشاهد عابرة أو من تعب نفسي. والأحلام الثقيلة المنظر كثيراً ما تكون أقل دلالة مما تبدو، لأن العقل يستخدم الصور القوية للتعبير عن مشاعر بسيطة. ولذلك فمن الحكمة ألا يتوقف الرائي عندها طويلاً، وأن يستبدل بها أفكاراً طيبة وصوراً مريحة.
وقد يلاحظ الرائي أن هذا الحلم يتكرر حين يكون مشغولاً بتذكر موقف قديم يندم عليه أو بأمر فاته ولم يعد يستطيع تداركه. وفي هذه الحال ينفعه أن يتذكر أن الله غفور رحيم، وأن الإنسان مأمور بالاعتبار لا بالتحسر. فمن اعتبر وتاب وأصلح ما أمكنه، ثم مضى متوكلاً على ربه، فقد أدى ما عليه، وما بقي فهو في تدبير الله الحكيم.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار حقيقي، ولا أن يُحكم به على أحد. والأولى أن يقابل الرائي رؤياه بالدعاء وحسن الظن بالله، وأن يوقن أن الغيب لا يعلمه إلا الله وحده. ومن أحسن ظنه بربه وطوى ما مضى رزقه الله سلاماً داخلياً وبداية جديدة.
