يرى بعض الناس في منامهم مائدة عامرة أو طعاماً مجهزاً وقد وقع عليه ذباب، فيستيقظون وفي نفوسهم شيء من الانقباض. والطعام في الرموز يرتبط عند كثير من المفسرين بالرزق والمعاش وما يتنعم به الإنسان في حياته. وحين يحط عليه الذباب يمتزج رمز النعمة برمز المنغص الصغير، فتتولد صورة تحتاج إلى قراءة متأنية هادئة. ونذكّر بأن هذا التفسير رمزي اجتهادي لا يقطع بحكم، فالرؤيا لا تتحقق بحرفها.
وقد يُقرأ المشهد على أن في رزق الرائي أو معاشه أو ما يرتجيه من خير تفصيلة صغيرة منغصة لا تمنع الخير ولا تبطله. كأن يكون هناك عمل مبارك تشوبه مضايقات يسيرة، أو فرصة طيبة يرافقها قدر من الإزعاج الإداري. والمعنى في مجمله أن النعمة قائمة وأن المنغص صغير، وأن الانتباه إلى الصغير يحفظ الكبير. وهذه قراءة هادئة لا تحمل نذيراً.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الذباب يدل على الضعاف المنغصين، وأن ما يتصل بالطعام قد يرتبط بالمعاش وما يشغله. وذهب بعض المفسرين إلى أن وقوع الأشياء الصغيرة المزعجة على الطعام قد يعبر عن منغصات تمس الرزق دون أن تقطعه. وقد اختلف أهل التعبير في هذا الباب ولم يجعلوه قاعدة، ولا يصح أن يُسقط على أحد من الناس أو يُظن بسببه سوء بإنسان. فهي صور رمزية لما في النفس من هموم المعاش.
وتتغير الدلالة بتغير التفاصيل، فإن كان الطعام ما زال شهياً ظاهراً والذباب قليل فالمنغص محدود، وإن كان الذباب كثيراً فقد تتعدد التفاصيل المزعجة. وإن غطّى الرائي الطعام أو أبعد الذباب فذلك رمز لحسن التدبير وحفظ ما بين يديه. وإن ترك الطعام وانصرف فقد يعبر عن زهد في أمر أو نفور من أمر. ومشاعر الرائي في الحلم تضيف معنى إلى ذلك.
وللرجل قد يشير الحلم إلى تفاصيل منغصة في أمور الكسب والعمل، كمعاملة تحتاج إلى متابعة أو أمر مالي صغير يحتاج إلى ترتيب. وللمرأة المتزوجة قد يتصل بتدبير شؤون البيت والمائدة والأسرة، وقد يعبر عن رغبة في تحسين الترتيب. وللفتاة غير المتزوجة قد يرمز إلى انشغالها بأمر تتمناه تشوبه بعض المنغصات الصغيرة. وكل ذلك احتمال لا يلزم.
وللحامل قد يكون الحلم انعكاساً لاهتمامها بالغذاء والراحة في هذه الفترة وحرصها على كل ما يتعلق بها، وهو أمر طبيعي. وللتاجر قد يشير عند بعضهم إلى منغصات صغيرة في التجارة تتعلق بالبضاعة أو العرض أو التعامل مع الزبائن. ولا يدل ذلك على خسارة محققة، وإنما يدعو إلى مراجعة ما يمكن تحسينه بهدوء. فمن أحسن ترتيب بضاعته حفظ ماله.
ومن الدقائق أن يتذكر الرائي نوع الطعام ومن كان معه على المائدة وهل كان مكان الأكل نظيفاً أو واسعاً. فكل نوع من الطعام قد يوحي بجانب مختلف من الحياة، والمشاركة فيه قد تدل على علاقات وتعاملات. وهل كان الرائي يأكل أم ينظر فقط، فالنظر قد يدل على تفكير في الأمر لا على الانغماس فيه. وهذه تفاصيل يُستأنس بها فقط.
وفي الجانب العملي والنفسي، يذكّرنا الحلم بأهمية الاعتناء بالتفاصيل الصغيرة في شؤوننا، ومنها ترتيب المطبخ وتغطية الأطعمة وحفظها في أوعيتها بنظافة. فذلك من حسن التدبير الذي يريح البال ولا يتعلق بأي حكم ديني. ويذكّر بالصبر والقناعة وشكر النعمة، فإن الشكر يزيد النعمة طمأنينة. وإن كان للرائي هم يتعلق بالرزق فليسعَ في الأسباب ويتوكل على الله.
ومن الأمور المفيدة أن يعتني الإنسان بإدارة ماله بروية، فيدون نفقاته ويرتب أولوياته، فإن في ذلك سكينة تغني عن كثير من الأحلام المقلقة. وأن يتحدث مع أهله بصراحة عما يشغله من أمور المعاش، فإن الشراكة في الهم تخففه. وهذه الخطوات العملية أبقى أثراً من أي تفسير ظني.
ولا ينبغي أن يغيب عن الرائي أن الطعام في الأحلام يتصل كذلك بالعلاقات والمجالس، فقد تكون المائدة المرئية رمزاً لجمعة أهل أو أصحاب أو لعمل مشترك مع آخرين. وفي هذه الحال قد يشير الذباب إلى كلام غير مقصود أو تفصيلة صغيرة في أجواء الاجتماع لا تفسد المودة. وقد لا يكون للحلم صلة بذلك أصلاً، فالعقل يخلط في النوم بين ما رآه وما سمعه وما تمناه. ومن ثم فإن الاكتفاء بقراءة هادئة أسلم من التعمق في كل تفصيلة.
وقد يلاحظ الرائي أن هذا الحلم يأتيه بعد مواقف تتعلق بالمال أو بالأمور التي يخشى عليها من العبث، كأن يخشى على عمل جديد أو ادخار أو مشروع صغير. وهنا يكون الذباب تجسيداً لخوف عام من أن يعكر شيء ما صفو ما يسعى إليه. وهذا الخوف طبيعي عند كل من يحرص على ما بين يديه، وعلاجه بالتخطيط والاستعانة بالله والتوكل عليه، لا بالانشغال بتفسير الصور المنامية.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، ولا يُبنى عليه قرار في مال أو عمل أو غيره، ولا يُحكم به على أحد. والأولى أن يقابل الرائي رؤياه بالدعاء وحسن الظن بالله، وأن يوقن أن الغيب لا يعلمه إلا الله وحده. ومن رضي بقسمة ربه وأحسن السعي في رزقه بارك الله له فيما بين يديه.
