قد يرى الإنسان في منامه ذبابًا بأجنحة لامعة، تعكس الضوء بألوان مبهرة كالأخضر أو الأزرق أو الذهبي، فتبدو جميلة رغم أنها ذباب. وهذا المشهد يجمع بين الجمال والإزعاج، فيستوقف الرائي ويجعله يتساءل عن معناه. والتعبير عنه رمزي لا حرفي، ولا يصح أن يُؤخذ خبرًا عن أمر مقبل أو حكمًا على أحد. وما نذكره هنا تأملات عامة هادئة، يتدبرها الرائي ويأخذ منها ما يناسب حاله.
واللمعان في الأحلام عند بعض المعبرين قد يرمز إلى الجاذبية والظاهر البراق، وقد يرمز إلى الفرحة العابرة أو الزينة. والذباب يُقرأ رمزًا للمنغصات الصغيرة التي تحوم حول الإنسان. فاجتماعهما قد يُفهم رمزيًا على أن في حياة الرائي أمرًا يبدو لامعًا جذابًا لكنه في حقيقته منغص صغير لا ينفع، أو أن الظاهر الجميل قد يخفي إزعاجًا يسيرًا. وهذا معنى يدعو إلى التروي لا إلى التشاؤم.
ونُسب إلى ابن سيرين فيما يُروى عنه أن الذباب قد يدل على أمور مزعجة هينة وخصوم ضعفاء. وذهب بعض المفسرين إلى أن ما يتزين في المنام من الصغائر قد يُحمل على ما يغري ظاهره ولا خير في باطنه. وقد اختلف المعبرون في ذلك اختلافًا واسعًا، ولا يجوز أن يُنزَّل على أشخاص أو أمور بعينها، ولا أن يُتخذ سببًا لسوء الظن بمن يبدو لطيفًا، فالصورة رمزية بحتة.
وتتغير الدلالة بتغير التفاصيل. فإن كان اللمعان هادئًا جميلًا، فقد يعبّر عن جانب مبهج في المنغص. وإن كان مبهرًا يؤذي العين، فقد يرمز إلى أمر لافت يشتت الانتباه. وإن انجذب الرائي إلى الذباب فلمسه أو تبعه، فقد يدل على ميل إلى ما يشغله دون نفع. وإن أعرض عنه، فقد يرمز إلى تروٍّ وحسن تمييز. وإن كان الذباب لامعًا لكنه لا يؤذي، فقد يعبّر عن جمال في الأمور الصغيرة.
وللرجل قد يتصل المنام بمغريات عمل أو صفقة أو مشروع يبدو جذابًا ويحتاج إلى فحص هادئ. وللمرأة المتزوجة قد يعبّر عن الانشغال بالمظاهر والزينة وكلام الناس. وللفتاة غير المتزوجة قد يرتبط بانبهار عابر بما يلمع في ظاهره، فيدعوها إلى التأني في أمورها. وللحامل قد يكون صدى لاهتمامها بتفاصيل التجهيز والزينة. وللتاجر قد يرتبط بعروض براقة تحتاج إلى مراجعة العقود والأرقام.
ومن الدقائق أن يُنظر إلى لون الأجنحة، فلكل لون عند الناس ارتباطات، لكن المعبرين اختلفوا فيها كثيرًا، فلا يصح الجزم. والأهم هو شعور الرائي نحو اللمعان، فإن كان إعجابًا فربما ارتبط بميل نفسه إلى الجمال، وإن كان انزعاجًا فقد عبّر عن نفوره من التصنع. وقد يكون السبب مجرد ضوء ظهر في الغرفة أثناء النوم فتأثر به الحلم.
ومن الناحية النفسية، فإن هذا الحلم قد يعبّر عن صراع بين الجاذبية والحذر، فالنفس تميل إلى ما يلمع ثم تتحفظ. وهو من أحلام التوازن بين الإقبال والتروي. ويفيد الرائي أن يتعلم تأخير القرار في الأمور التي يغريه ظاهرها، وأن يستشير أهل الخبرة، وأن ينظر في العواقب. وهذا خلق حسن في جميع الأمور.
ويحسن بالرائي أن يتذكر أن الجمال الحقيقي هو جمال الخلق وصدق النية، وأن البريق الظاهر قد يزول سريعًا. وأن يقدّر الأمور بقيمتها لا بمظهرها. وليدعُ الله أن يريه الحق حقًا ويرزقه اتباعه، وأن يريه الباطل باطلًا ويرزقه اجتنابه، وأن يبارك له في اختياراته.
وليتجنب أن يسيء الظن بالناس لمجرد حسن مظهرهم، فهذا ظلم لهم، والصورة المنامية لا تدل على أحد. وإنما يتعلم أن يتحقق من الأمور بالمعرفة والتجربة والتشاور.
ومن الأمور التي تُذكر في هذا الباب أن الضوء في الأحلام كثيرًا ما يكون انعكاسًا لضوء حقيقي يدخل الغرفة أثناء النوم، كضوء الصباح أو مصباح الشارع، فيتحول إلى لمعان في صورة الحلم. وفي هذه الحال لا يكون للمنام دلالة رمزية، وإنما هو أثر حسي عابر. ومن الحكمة ألا يُحمَّل المنام فوق ما يحتمل.
وقد يرى بعضهم في هذا المنام تذكيرًا لطيفًا بأن لكل شيء ظاهرًا وباطنًا، وأن الخير ليس دائمًا في ما يلمع. وهذه عبرة قديمة يعرفها الناس بالتجربة، ولا تحتاج إلى منام. لكن المنام قد يوقظها في النفس فيتروى الإنسان قبل أن ينجذب إلى أمر لا ينفعه. وهذه فائدة حسنة إن جاءت بهدوء.
كما أن بعض الناس يميلون بطبعهم إلى الجمال في كل شيء، فتظهر أحلامهم جميلة المشاهد حتى فيما يزعج. وهذا من ذوقهم الفطري، فلا يُفسَّر تفسيرًا غامضًا بل يُشكر الله عليه.
وختامًا، فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، يخطئ ويصيب، ولا يصح أن يكون أساسًا لقرار مهم. والأولى أن يقابل الإنسان ما يراه بالدعاء وحسن الظن بالله وأن يفوض أمره إليه. فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما يقال في الرؤى يبقى جهدًا إنسانيًا محدودًا.
