قد ترى الفتاة غير المتزوجة في منامها ذباباً يحوم حولها في بيت أهلها أو في مكان دراستها أو عملها أو في طريقها، فتستيقظ وفي نفسها شيء من الاستغراب. وهي رؤيا شائعة بين الفتيات، وغالباً ما تأتي في فترات انشغال بالدراسة أو بالمستقبل أو بالأحاديث التي تدور حولهن. وينبغي أن نؤكد أن تفسير الأحلام رمزي لا حرفي، فالذباب في المنام ليس إشارة إلى شخص أو حدث بعينه. وما نذكره قراءات محتملة تُقال على سبيل الاجتهاد، ولا يُؤخذ منها إلا ما يبعث على الاطمئنان.
الذباب عند من يقرأونه رمزياً بحذر صورة للمنغصات الصغيرة والأمور العابرة المزعجة. وللفتاة غير المتزوجة قد تتصل هذه المنغصات بخواطر صغيرة تدور في ذهنها، وبأحاديث عابرة من حولها، وبتفاصيل صغيرة في الدراسة أو العمل أو العلاقات الاجتماعية. ويرى بعضهم أن في الصورة دلالة على كثرة التفكير أكثر منها على أمر واقع. وهذا كله احتمال لا جزم فيه، يختلف باختلاف حال كل فتاة وظروفها وعمرها وما تمر به من مراحل.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الحشرات الصغيرة تدل على منغصات هينة وخصوم ضعاف، وأن للرائية أحوالها المختلفة التي يتنوع بها التأويل. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى اعتبار حال الرائي من عزوبة أو زواج أو غيرهما قرينة في فهم الصورة. غير أن المفسرين اختلفوا في تفاصيل هذه الأمور، ولا يوجد قول واحد يُجمعون عليه. ولا ينبغي أن تُحمَّل هذه الأقوال على أي إنسان حقيقي أو جماعة من الناس، فالذباب هنا رمز لا شخص، ولا يصح أن يُتخذ سبباً لاتهام أحد.
وتتغير القراءة بحسب تفاصيل المشهد: فإن كان الذباب قليلاً فقد يرمز إلى أمر صغير عابر، وإن كان كثيراً فقد يرمز إلى تراكم خواطر وأحاديث. وإن كان في بيت الأهل فقد يتصل بجو الأسرة والأمور اليومية، وإن كان في مكان الدراسة أو العمل فقد يتصل بالانشغال المهني أو العلمي. وإن طردته بسهولة فقد يدل على قدرتها على تجاوز الصغائر، وإن لازمها فقد يدل على حاجتها إلى فسحة من الراحة. ويضاف إلى ذلك شعورها هي، فهو أهم قرينة.
ومن أحوالها أنها قد تكون في مرحلة انتظار أو ترقب لأمر ما، كالخطبة أو الدراسة أو العمل أو السفر. وفي مثل هذه المراحل تكثر الخواطر الصغيرة والأسئلة المعلقة، فتظهر أحياناً في المنام في هيئة كائنات صغيرة تحوم. ويرى بعضهم أن الأولى بها ألا تتعجل تفسير الصورة، وأن تقابل الترقب بالصبر والدعاء. وهذا اجتهاد ظني لا أكثر. وليس في الرؤيا ما يدل على فشل أمر ولا نجاحه، فذلك غيب لا يعلمه إلا الله.
وقد تتصل الصورة كذلك بما تسمعه الفتاة من تعليقات الآخرين وأحاديثهم، وقد تكون أحياناً أكثر حساسية لما يقال حولها. فتتمثل هذه التعليقات الصغيرة في صورة ذباب يحوم دون أن يؤذي حقاً. وليس في ذلك دليل على أن أحداً قال شيئاً بعينه، فقد تكون مجرد خواطر داخلية. وعليها ألا تبني على المنام ظناً في أحد من أقاربها أو صديقاتها، فالأولى حسن الظن وترك الأمور تهدأ.
ومن التفاصيل الدقيقة: هل رأت الذباب على طعام أم على جدار أم على ثيابها؟ فالطعام قد يتصل بشؤون البيت، والجدار بالبيت وحدوده، والثياب بالمظهر والسمعة. وهل كانت وحدها أم مع غيرها؟ فإن كانت وحدها فقد تتصل الصورة بأفكارها الخاصة، وإن كانت مع غيرها فقد تتصل بالعلاقات. وهل أحست بالخوف أم بالانزعاج الخفيف أم بعدم الاكتراث؟ فكل شعور يعطي ظلاً مختلفاً للمعنى. وكل ذلك قراءة ظنية.
وفي كثير من الأحيان لا تكون لهذه الرؤيا دلالة تتجاوز تعب الذهن بعد يوم مليء بالأفكار، فالعقل في النوم يرتب ما جمعه في اليقظة. وفي هذا طمأنة للفتاة، فليس في الصورة ما يشير إلى ضرر أو سوء. والأحلام التي تظهر فيها الحشرات الصغيرة شائعة جداً بين الناس عامة. فلا ينبغي أن تحمل الصورة أكثر مما تحتمل، وليكن همها أن تنام مرتاحة.
وعملياً، تنفع الفتاة التي رأت هذه الصورة أن تنظم أوقات دراستها وعملها وراحتها، وأن تكتب ما يشغلها لتفرغ ذهنها منه. وليكن لها وقت للمشي أو الحديث مع من تثق به من أهلها أو صديقاتها المقربات. والدعاء وذكر الله قبل النوم يبعثان على السكينة. وترتيب غرفتها ونظافتها يجعلان الجو أهدأ. وكلما كانت مطمئنة إلى توكلها على الله صارت الصغائر أخف على قلبها.
وفي الختام، فإن كل ما ذُكر هنا اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يُبنى عليه قرار حقيقي في الدراسة أو الزواج أو العمل أو العلاقات. فالرؤيا صورة عابرة لا تكشف الغيب. وأولى ما تفعله من رأت شيئاً منها أن تحسن الظن بالله، وتدعوه بالتيسير والخير، وتمضي في حياتها بتوكل. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما سواه تقدير بشري محدود.
