يأتي حلم رؤية ذباب كثير في المنام على هيئة مشهد مزدحم بالطنين والحركة، وقد يترك في نفس الرائي إحساساً بالضيق والاختناق عند الاستيقاظ. وهو من الأحلام التي تتكرر عند كثير من الناس، خاصة في فترات الضغط والانشغال وتراكم المهام. ولا بد من التنبيه من البداية إلى أن لغة الأحلام لغة رموز لا لغة وقائع، وأن ما يظهر فيها لا يتحقق بحرفيته. وما نعرضه هنا هو قراءات ذكرها بعض المفسرين على سبيل الاجتهاد، قابلة للصواب والخطأ.
والفرق بين الذبابة الواحدة والذباب الكثير فرق في الكثرة لا في القوة، وهذا ما يجعل التفسير مختلفاً في الصورة. فالكثرة هنا قد تشير إلى تعدد الأمور الصغيرة المزعجة في وقت واحد، كفواتير ومواعيد وأحاديث وطلبات متفرقة تتزاحم على الذهن. وكل واحد منها صغير في حد ذاته، لكن اجتماعها هو الذي يتعب النفس. ولذلك قد يكون الحلم تعبيراً عن شعور بأن الأمور تتكاثر عليه أكثر مما يحتمل.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن كثرة الذباب قد تدل على جماعة من الخصوم الضعاف أو المنغصين الذين يكثر لغطهم ويقل أثرهم. وذهب بعض المفسرين إلى أن كثرة الذباب قد تشير إلى كثرة الكلام والقيل والقال حول الرائي دون ضرر حقيقي. وقد اختلف أهل التعبير في هذا الباب، فلم يتفقوا على قاعدة واحدة، ولا يجوز أن تُحمَّل هذه القراءات على أشخاص حقيقيين أو يُظن بأحد سوءاً بسببها. فهي صور رمزية للشواغل النفسية في المقام الأول.
وللتفاصيل أثر كبير في هذا الحلم، فإن كان الذباب كثيراً لكنه بعيد عن الرائي لا يقترب منه، فالأمر أخف وأقرب إلى هموم عامة محيطة به. وإن كان يحيط به من كل جانب ويصعب عليه التنفس فذلك يعبر عن إحساس بالضغط النفسي. وإن استطاع أن يبعده بيده أو يخرج من المكان فتلك علامة رمزية على قدرته على تجاوز ما يشغله. وكلما كان الرائي هادئاً في الحلم دلّ ذلك على ثباته أمام الشواغل.
وللرجل قد يرتبط الحلم بكثرة الالتزامات المهنية والمالية التي تتزاحم عليه، وبالرغبة في ترتيب أولوياتها. وللمرأة المتزوجة قد يرمز إلى زحام مهام البيت والأولاد والمناسبات الاجتماعية التي تستهلك طاقتها. أما الفتاة غير المتزوجة فقد يعبر عن كثرة التفكير في المستقبل والدراسة والكلام الذي يدور حولها دون أن يضرها. ولكل منهم أن ينظر في حاله بهدوء، فالرؤيا لا تُلزمه بتفسير بعينه.
وللحامل معنى ألطف، فالأفكار تتكاثر في هذه الفترة والمشاعر تتقلب، وقد يكون الحلم صدى لذلك دون أن يحمل خبراً بشيء. وللتاجر قد يشير الذباب الكثير إلى تفاصيل إدارية صغيرة ومطالبات متفرقة وحسابات متراكمة تحتاج إلى تنظيم. ولا ينبغي أن يُقرأ ذلك على أنه توقع لخسارة أو ضرر، فالأحلام لا تُخبر عن المستقبل بيقين. وإنما قد تدفع صاحبها دفعاً لطيفاً إلى مراجعة أوراقه وترتيب شؤونه.
ومن دقائق التفسير النظر في صوت الطنين: هل كان عالياً مزعجاً أم خافتاً؟ وفي لون الذباب وحجمه، وفي المكان الذي اجتمع فيه، فالاجتماع في مكان مغلق غير الانتشار في فضاء واسع. وكذلك ما فعله الرائي عند رؤيته، أهرب أم وقف أم حاول التنظيف. وهذه التفاصيل تعطي صورة أدق عن حال النفس لا عن حوادث الخارج.
وعملياً يمكن للرائي أن يأخذ من هذا الحلم عبرة هادئة، وهي أن الأمور الصغيرة إذا تُركت تراكمت، وأن كتابة المهام وترتيبها خير من حملها كلها في الرأس. والتعامل مع كل شاغل على حدة بصبر يخفف الإحساس بالزحام، وأخذ قسط من الراحة والهدوء يعيد الصفاء إلى الفكر. وإن كان في الواقع ما يزعجه من أمور بيته أو عمله فليرتبها شيئاً فشيئاً، وليحافظ على نظافة المكان وتغطية الطعام فذلك يريح النفس.
ومما يحسن التنبه إليه في هذا الحلم أن الكثرة وحدها لا تعني الخطر، فقد يرى الإنسان سرباً كاملاً من الذباب ثم يستيقظ فلا يجد في حياته شيئاً يستدعي القلق. وفي مثل ذلك يكون الحلم أقرب إلى صدى لإرهاق أو زحام أو قلة نوم منه إلى رسالة بعينها. ولذلك فمن الحكمة أن ينظر الرائي إلى نمط حياته في الأيام الأخيرة، وأن يسأل نفسه بصدق عما يثقل عليه. وقد يجد في الجواب ما يكفيه عن كل تأويل، فيعمل على تخفيف أحماله ويمنح نفسه فسحة من الراحة والسكينة.
وفي الختام، فالتفسير اجتهاد بشري ظني لا يُعتمد عليه في قرار حقيقي، ولا يُبنى عليه حكم على أحد ولا خوف من غد. وخير ما يفعله الرائي أن يلجأ إلى الدعاء ويحسن الظن بربه، فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده. ثم ليمضِ في حياته بطمأنينة وتوكل، وليترك للأيام أن تكشف ما يشاء الله لها أن تكشف.
