قد يرى النائم في منامه مصيدة للذباب، سواء كانت شريطاً لاصقاً معلقاً أو إناءً مخصصاً أو جهازاً صغيراً موضوعاً في زاوية البيت. وهذه الرؤيا مألوفة عند من يهتمون بنظافة بيوتهم أو يمرون بفترة تكثر فيها الصغائر، وهي غالباً هادئة المعنى. وينبغي أن نتذكر منذ البداية أن تفسير الأحلام رمزي لا حرفي، فالمصيدة في الحلم صورة تحتمل وجوهاً شتى، وليست إخباراً بما سيقع في الواقع. وما سنذكره قراءات محتملة نقلها بعض المفسرين أو تأمّلها آخرون، يؤخذ منها ما يطمئن ويدع الباقي.
الذبابة عند من يقرأونها رمزياً بحذر صورة للمنغصات الصغيرة التي تحوم وتعود، كهمّ خفيف أو كلام عابر أو خصم ضعيف الأثر. أما المصيدة فهي أداة تُوضع قبل وقوع الإزعاج أو أثناءه لتجمعه في مكان واحد دون ملاحقة. ولذلك قد يُفهم المشهد على أنه رمز للاحتياط والتدبير المسبق، أي أن يهيئ المرء لنفسه وسيلة تقلل المنغصات بدل أن يلاحق كل واحدة منها. وهذا معنى فيه شيء من الحكمة والاطمئنان، وإن كان يبقى من باب الاحتمال لا الجزم.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الحشرات الصغيرة المؤذية تدل على خصوم ضعاف ومنغصات يسيرة، وأن حبسها أو الإيقاع بها يدل على الظفر بها. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى معان قريبة تجعل الحيلة والتدبير سبيلاً إلى دفع الأذى الصغير. ومع ذلك فقد اختلف المفسرون في هذه الأبواب اختلافاً واسعاً، وأكثرهم يتحفظ في الجزم بمعنى معين. ولا يصح أن تُوجَّه هذه الأقوال نحو إنسان حقيقي أو جماعة من الناس، فالأمر كله صور رمزية في المنام لا تصلح لتهمة أحد.
وتتغير الدلالة بحسب حال المصيدة: فإن كانت جديدة نظيفة فذلك قد يوحي ببداية تدبير جيد، وإن كانت قديمة ممتلئة فقد توحي بأمور قديمة تحتاج إلى تجديد وترتيب. وإن كانت فارغة فقد يُقرأ ذلك على أن المنغصات قليلة أو أن التدبير لم يُختبر بعد. وإن كانت ممتلئة بالذباب فقد يدل ذلك على أن ما كان يضايق الرائي صار محصوراً في موضع واحد يمكن معالجته. وللمكان أثر كذلك، فهي في المطبخ غير المصيدة في غرفة النوم أو في العمل.
وللفتاة غير المتزوجة قد تشير المصيدة إلى حرصها على وضع حدود لطيفة تحمي وقتها وسمعتها من الأقاويل العابرة، وهذا من باب حسن التدبير. ويرى بعضهم أن في المشهد دلالة على وعيها بما قد يزعجها قبل وقوعه، وهذا ظن لا يقين. وإن رأتها في بيت أهلها فقد يرتبط ذلك بشعور الأمان والرعاية. وعليها ألا تجعل الرؤيا مدخلاً للظن في أحد من معارفها، فالذباب هنا رمز لأفكار وتفاصيل لا لأشخاص.
وللمرأة المتزوجة قد تدل المصيدة على إحسان إدارة شؤون البيت وأخذ الاحتياط في ما يتكرر من المنغصات. وللرجل قد تدل على وضع نظام يحمي عمله أو وقته من صغائر الأمور التي تستهلك جهده. ويقول بعض المفسرين إن العبرة بحال الرائي، فصورة المصيدة تقرأ للمنشغل بالتنظيم على غير ما تقرأ لمن يعيش في هدوء. وهذه الاحتمالات جميعاً لا تُتخذ أساساً لقرار، فهي قراءات عامة تتفاوت.
ومن التفاصيل التي تُدقق القراءة: موضع المصيدة، فإن كانت قرب الباب فقد ترمز إلى ما يأتي من الخارج، وإن كانت قرب الطعام فقد ترتبط بالرزق وحمايته من الإزعاج. وهل رآها الرائي وهو الذي وضعها أم وجدها موضوعة؟ فإن وضعها بنفسه فهذا يوحي بالمبادرة، وإن وجدها موضوعة فقد يرتبط بمعونة من القريبين. وهل كان في مشهد المصيدة شيء مبهج كضوء دافئ أو رائحة طيبة؟ فتلك قرائن تميل إلى الطمأنينة.
وقد تعبّر هذه الرؤيا عند بعض الناس عن إحساس بأنهم لا يريدون أن يظلوا في موقف الدفاع الدائم عن أنفسهم، بل يفضلون أن يرتبوا أمورهم بحيث تقل الاحتكاكات من أصلها. فالمصيدة تعمل في هدوء ودون ضجيج، وكأنها تذكير بأن بعض المشكلات تُحل بالتخطيط لا بالانفعال. ويرى بعضهم أن هذا المعنى مرتبط بالنضج وسعة الصدر، لكن ذلك يبقى تأملاً شخصياً غير ملزم. فلكل رائٍ ظرفه الخاص الذي يلون رؤياه.
أما من الناحية العملية والنفسية، فإن الحلم قد يكون دعوة إلى الوقاية قبل العلاج. فالإنسان الذي يحفظ طعامه مغطى، ويرتب أوراقه، ويؤدي ما عليه في وقته، يقل ما يضايقه من الصغائر. وفي العلاقات يفيد وضع حدود لطيفة ومعلنة حتى لا تتراكم المضايقات الصغيرة في الصدر. والهدوء وحسن التنظيم يعينان على أن يحيا المرء في سكينة، ولا يحتاج إلى مطاردة المنغصات واحدة واحدة.
وفي الختام، فإن كل ما ذُكر في هذه الصفحة اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يُبنى عليه قرار حقيقي في المال أو العمل أو العلاقات. فالرؤيا لا تكشف الغيب ولا تحكم على الناس. ومن رأى ما أزعجه فليحسن الظن بالله وليدعُ بالخير، ثم ليمضِ في حياته بسكينة وتوكل. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما سواه تقدير بشري محدود العلم.
