قد يرى النائم أن ذباباً كان يطير حوله يتبدل شكله فيصير حشرة أخرى، كفراشة أو خنفساء أو نملة أو بعوضة أو جرادة صغيرة. وهي رؤيا غريبة قليلة الوقوع، لكنها تلفت النظر لما فيها من تحول مفاجئ في الصورة. وينبغي أن نؤكد أن تفسير الأحلام رمزي لا حرفي، فالتحول هنا صورة ذهنية لا تدل على حدث معين. وما سنذكره قراءات محتملة، تُقال على سبيل الاجتهاد، ويبقى الأمر كله مرهوناً بحال الرائي وشعوره.
الذباب عند من يقرأونه رمزياً بحذر صورة للمنغصات الصغيرة والأمور العابرة المزعجة. وتحوله إلى حشرة أخرى يعني أن الصورة الصغيرة المزعجة لم تختفِ بل غيرت هيئتها، ولذلك يميل بعضهم إلى أن يرى في المشهد تبدلاً في شكل المنغّص مع بقائه في حجمه الصغير. فقد يكون الهم نفسه لكنه يظهر في ثوب آخر، أو قد ينتقل الانشغال من أمر صغير إلى أمر صغير آخر. وهذا كله من باب الاحتمال، ولا يلزم أن يكون له مقابل في الواقع.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الحشرات الصغيرة تدل على أعداء ضعفاء ومنغصات يسيرة، وأن لكل نوع منها دلالة تخصه تتفاوت بحسب شكله وصفته. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن تبدل الشيء في المنام يشير إلى تبدل حال صاحبه أو حال ما يتصل به. ويقول آخرون إن هذه التفاصيل مما اختلف فيه المفسرون، ولا يوجد قول يُجزم به في كل حشرة. ولا ينبغي أن تُوجَّه هذه الأقوال إلى أحد من الناس، فالمقصود صور رمزية داخل المنام لا غير.
وتتغير القراءة بحسب نوع الحشرة التي صار إليها الذباب: فإن صار فراشة فقد يُقرأ ذلك على تحول الإزعاج إلى خفة وجمال، وإن صار نملة فقد يُقرأ على تحول إلى أمر يتطلب جداً وصبراً، وإن صار بعوضة فقد يوحي بأن الإزعاج ما زال صغيراً لكنه تغير في نوعه، وإن صار خنفساء فقد يتصل بأمور أبطأ حركة وأثقل. وكل ذلك من باب التأمل. ويضاف إلى ذلك كون التحول لطيفاً أم مزعجاً، وهل شعر الرائي بالراحة أم بالانقباض بعده.
وللفتاة غير المتزوجة قد يشير المشهد إلى انتقال انشغالها من هم صغير إلى هم صغير آخر، كمن يتخلص من قلق ثم يظهر له قلق جديد، وهذا أمر معتاد في الحياة. ويرى بعضهم أن في الصورة دعوة إلى الاطمئنان إلى أن الأمور الصغيرة تتبدل ولا تدوم. وهذا ظن لا يقين. وعليها ألا تعلق على المنام أحكاماً في شأن أحد، فهو رمز يخص أفكارها.
وللمرأة المتزوجة قد يتصل بتبدل المنغصات الصغيرة في البيت من نوع إلى نوع، كأن يزول خلاف فيظهر أمر آخر يحتاج إلى ترتيب. وللرجل قد يتصل بانتقال انشغاله في العمل من مسألة صغيرة إلى مسألة صغيرة غيرها. ويقول بعض المفسرين إن العبرة بحال الرائي وبما يعيشه فعلاً، فلا تُنقل قراءة واحدة على الجميع. وهي كلها احتمالات عامة لا تصلح سنداً لقرار أو تصرف.
ومن التفاصيل الدقيقة: هل كان التحول بطيئاً يمكن متابعته أم لحظياً؟ فالبطيء قد يوحي بتدرج الأمور، واللحظي بسرعة تبدل النظرة. وهل بقي بعض الذباب على حاله؟ فبقاؤه قد يعني أن بعض الأمور لم تتغير. وهل شعر الرائي بالدهشة أم بالارتياح؟ فالدهشة قد تعني أن الأمر خارج عن توقعه، والارتياح قد يعني أنه يتقبل التغير. ومكان المشهد أيضاً مهم: البيت أو العمل أو الطريق، فلكل مكان إيحاء.
وقد تكون هذه الصورة في بعض الأحيان مجرد خليط عشوائي من الصور التي يعرضها الذهن أثناء النوم، فالعقل يميل إلى تبديل الأشكال وإعادة تركيبها دون معنى خاص. وفي هذا طمأنة لمن أزعجه المشهد، فليست كل صورة غريبة في المنام لها دلالة. والأحلام التي تتغير فيها الأشياء من شكل إلى شكل من أكثر الأحلام شيوعاً بين الناس. فلا حاجة إلى تحميل الصورة أكثر مما تحتمل.
وعملياً، قد ينفع من رأى هذه الصورة أن يتأمل ما يشغله من أمور صغيرة ويتساءل: هل أنا أنتقل من منغّص إلى منغّص بلا نهاية؟ فقد يكون الحل في تغيير الطريقة التي ننظر بها إلى الصغائر، لا في ملاحقتها واحدة بعد أخرى. وينفع ترتيب الأولويات وتحديد ما يستحق الاهتمام فعلاً. والهدوء ونظافة المكان وترتيب الوقت أمور تخفف كثيراً من وطأة المنغصات المتبدلة.
وفي الختام، فإن ما ذُكر هنا كله اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يُبنى عليه قرار حقيقي في المال أو العمل أو العلاقات. فالرؤيا صورة عابرة لا تكشف الغيب. وأولى ما يُنصح به صاحبها أن يحسن الظن بالله ويدعوه بالخير ويمضي بتوكل واطمئنان. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما سواه تقدير بشري محدود.
