قد يرى النائم ذبابة تمشي على جدار الغرفة، تتقدم قليلاً ثم تقف ثم تكمل سيرها بهدوء، دون أن تطير أو تقترب منه. وهي صورة بسيطة هادئة، يمر بها بعض الناس مرور الكرام، وقد يتذكرونها عند الاستيقاظ بوضوح. وينبغي أن نؤكد أن تفسير الأحلام رمزي لا حرفي، فالجدار والذبابة صورتان لا تدلان على حدث معين. وما نذكره قراءات محتملة، تُقال على سبيل الاجتهاد، ومنها ما قد يبعث على السكينة.
الذباب عند من يقرأونه رمزياً بحذر صورة للمنغصات الصغيرة والأمور العابرة المزعجة. أما حين تمشي على الجدار فهي تبدو ساكنة نسبياً، لا تطير ولا تزعج بالصوت، ولذلك يميل بعضهم إلى أن يرى في المشهد أمراً صغيراً قائماً لم يصل إلى حد الإزعاج، أو منغّصاً يسير بصمت قرب الرائي. وقد يرمز الجدار إلى البيت وحدوده، فيتصل المعنى بما يدور حول البيت من أمور صغيرة. وكل ذلك احتمال لا جزم فيه، يرتبط بحال الرائي.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الحشرات الصغيرة تدل على منغصات هينة، وأن موضعها وحركتها قرينة في المعنى. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى اعتبار البيت وما يظهر فيه مرتبطاً بحال صاحبه وأسرته. غير أن المفسرين اختلفوا في تفاصيل هذه الصور اختلافاً واسعاً، فلا يوجد قول واحد متفق عليه. ولا ينبغي أن تُوجَّه هذه الأقوال إلى أحد من الناس أو فئة منهم، فالمقصود رمز داخل الحلم لا غير.
وتتغير القراءة بحسب هيئة الجدار: فإن كان أبيض نظيفاً فقد يوحي بأن الأمر الصغير ظاهر وواضح للعيان، وإن كان قديماً متشققاً فقد يوحي بأمور قديمة في البيت. وإن كانت الذبابة تمشي إلى الأعلى فقد يُقرأ ذلك على أمر يظل حاضراً في الذهن، وإن كانت تمشي إلى الأسفل فقد يُقرأ على اقتراب أمر من الزوال. ويضاف إلى ذلك سرعة سيرها وهل وقفت أم واصلت. وشعور الرائي هو الفيصل: فالهدوء يميل إلى الاطمئنان، والتحديق المتوتر قد يوحي بأن صاحبه يراقب أمراً صغيراً أكثر مما يلزم.
وللفتاة غير المتزوجة قد يشير المشهد إلى خاطر صغير يسير في ذهنها دون أن يزعجها فعلاً، كفكرة عابرة عن أمر مستقبلي. ويرى بعضهم أن فيه إشارة إلى ضرورة عدم تضخيم الصغائر، وهذا اجتهاد ظني. وإن لم تشعر بأي انزعاج فقد يكون المنام مجرد صورة عابرة بلا دلالة. وعليها ألا تربط الرؤيا بأحد من أهلها أو معارفها، فهي رمز يخص أفكارها.
وللمرأة المتزوجة قد يتصل المشهد بأمر صغير في البيت لم يُحسم بعد، لكنه لا يؤثر في سير الحياة. وللرجل قد يتصل بمسألة صغيرة في عمله أو شأنه لم تصل إلى مرحلة تستدعي تدخلاً. ويقول بعض المفسرين إن العبرة بحال الرائي، وإن الصورة الهادئة ينبغي أن تُقرأ قراءة هادئة. وهذه احتمالات عامة لا تُتخذ أساساً لقرار أو تصرف.
ومن التفاصيل الدقيقة: هل كانت الذبابة وحدها أم معها غيرها على الجدار؟ فالفردية قد توحي بأمر واحد محدد، والتعدد قد يوحي بأمور متفرقة. وهل كانت قرب نافذة أو باب أو سقف؟ فالنافذة قد ترتبط بما يأتي من الخارج، والباب بالدخول والخروج، والسقف بما يعلو الإنسان من مسؤوليات. وهل لاحظ الرائي لون الجدار أو الإضاءة؟ فالإضاءة الهادئة تميل إلى الطمأنينة. وكل ذلك من باب التأمل الظني.
وقد تكون هذه الصورة في بعض الأحيان مجرد انعكاس لمشهد مألوف في اليقظة، فكثير منا رأى ذبابة تمشي على جدار فتذكرها العقل في المنام. وفي هذه الحالة لا يكون لها معنى خاص، فالأحلام كثيراً ما تعيد إلينا مشاهد عابرة من نهارنا. وفي هذا طمأنة لمن بحث عن دلالة كبرى، فليست كل صورة تحمل رسالة. ويكفي أن يأخذ الرائي منها شيئاً من الهدوء.
وعملياً، ينفع من رأى هذه الصورة أن ينظر في بيته وترتيبه نظرة عابرة، فيرى هل هناك أمر صغير مؤجل يمكن إنجازه بيسر. فبعض الأمور الصغيرة تبقى معلقة لأننا لا نلتفت إليها، فإذا التفتنا إليها زالت بسهولة. وليحافظ على نظافة جدران بيته ونوافذه وتهويته، فالنظافة تبعث على الراحة. والهدوء وعدم تضخيم الصغائر يخففان على النفس كثيراً.
وفي الختام، فإن كل ما ذُكر هنا اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يُبنى عليه قرار حقيقي في المال أو السكن أو العلاقات. فالرؤيا صورة عابرة لا تكشف الغيب. وأولى ما يفعله من رأى شيئاً منها أن يحسن الظن بالله، ويدعوه بالبركة في بيته، ويمضي بتوكل. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما سواه تقدير بشري محدود.
