إذا رأى النائم مائدة صغيرة يجلس حولها أطفال يأكلون ويلعبون، فإن المشهد يبعث في النفس بهجة وحنانًا. ومائدة الأطفال غالبًا ما تكون ملونة منخفضة، وفيها أطباق خفيفة وأصناف يحبها الصغار. وقد تترك الرؤيا في النفس شعورًا بالسرور أو بالمسؤولية بحسب ما يصاحبها. غير أنها صورة رمزية تتأثر بحال صاحبها، ولا يُقطع فيها بأمر. ولذلك تُقرأ بهدوء ويؤخذ منها ما يوافق الواقع.
تدل المائدة في أصل الرمز على الاجتماع والضيافة والمشاركة والألفة والعناية بالأهل. وإذا كانت مائدة أطفال فإن الدلالة تميل إلى البراءة والرعاية وإلى مرح صاف لا يشوبه تكلف. وقد تعبر عن رغبة الرائي في العناية بمن يكبرون في كنفه أو في استعادة بساطة الطفولة. وقد تشير كذلك إلى مسؤولية تجاه الصغار وتعليمهم وإطعامهم وحسن تربيتهم. ويبقى ترجيح المعنى مرهونًا بالسياق وبشعور الرائي.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب الطعام أن المائدة مجلس وصحبة، وأن الطعام الطيب عليها يدل على خير يجمع أهلها. وذُكر في بعض الروايات المنسوبة إليه أن الأطفال في الرؤى قد يرتبطون بالبراءة وبما هو قيد النمو. ولا يصح الجزم بتفاصيل أدق من ذلك لاختلاف النسخ وتعدد الروايات. ويُفهم من مجمل ما نُسب إليه أن حال الأطفال في المنام يعكس حال أمر رمزي يحتاج إلى رعاية. ولهذا يستأنس بها الرائي دون أن يعتمد عليها اعتمادًا كاملًا.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن المائدة تعبر عن مجلس أو مناسبة فيها اجتماع، وأن حالها دليل على حال أصحابها. ويرى بعض المعاصرين أن مائدة الأطفال في الأحلام ترمز إلى الحنين إلى الطفولة أو إلى الاهتمام بمن هم دون الرائي سنًا. ومنهم من يرى أنها قد تعكس مجرد انشغال بأبناء أو بمناسبة يحضرها الصغار. وهناك من يحذر من ربطها بحدث محدد أو بأحوال أطفال بعينهم. وهذا التباين يدعو إلى الموازنة بين الآراء بحسب الواقع.
يتغير المعنى بتغير السياق. فإذا كانت مائدة الأطفال في بيت الرائي وحولها أبناؤه أو إخوته الصغار، مالت الدلالة إلى الألفة والعناية. وإذا كان الأطفال غرباء عنه، فقد تعبر عن اهتمام بشأن عام يخص الصغار أو عن رغبة في رعايتهم. وإذا كان الرائي هو الطفل الجالس على المائدة، فقد يشير ذلك إلى حنين إلى الأمان الذي كان يشعر به. أما شعور الرائي فهو معيار مهم، فالسرور يقوي المعنى الحسن، والقلق ينبه إلى انشغال بمسؤولية.
إذا كان الرائي أعزب، فقد تعكس مائدة الأطفال رغبته في أسرة وأبناء، أو حنينه إلى أيام الصغر وأنس الإخوة. وقد تعبر عن حبه للأطفال أو عمله معهم إن كان معلمًا أو قريبًا لهم. وربما كانت صدى لمناسبة حضرها الصغار أو لصور قديمة رآها قبل نومه. وليس في ذلك ما يستلزم حدثًا قريبًا، فالنفس تستعيد ما شغلها. والأولى أن يتأمل الرائي حاله الحقيقية.
أما المرأة المتزوجة فقد تدل مائدة الأطفال في منامها على انشغالها بأبنائها وبإعداد طعامهم وتنظيم أوقاتهم. وقد تعبر عن رغبتها في أن ينعم صغارها بجو من البهجة والأمان. وللرجل المتزوج قد تشير إلى شعوره بمسؤولية رعاية أبنائه أو إلى رغبته في قضاء وقت أطول معهم. وقد تظهر عند من يستعد لمناسبة تخص الصغار بوصفها صدى لهذا الانشغال. وكل ذلك احتمالات تقبل الأخذ والرد.
من التفاصيل المؤثرة عدد الأطفال وأعمارهم وهل يعرفهم الرائي، ونوع الطعام وهل هو خفيف مما يحبه الصغار. ويُنظر كذلك إلى أجواء الجلسة، أهي لعب ومرح أم بكاء وشجار، فلكل منها قراءة نفسية مختلفة. ومن التفاصيل ألوان المائدة وزينتها وأدواتها الصغيرة. ويُنظر أيضًا إلى مكان المائدة وإلى وجود الكبار قريبًا منها. ويحسن أن يدون الرائي ما يتذكره فور استيقاظه.
من الناحية العملية والنفسية، قد تكون هذه الرؤيا دعوة إلى قضاء وقت أطول مع الصغار والإصغاء إليهم ومشاركتهم لعبهم. وقد تعبر عن حاجة الرائي نفسه إلى المرح وإلى استعادة بعض بساطة الطفولة. كما أن الانشغال بالأبناء أو مناسبة تخص الصغار قد يفسر ظهور مثل هذه المائدة. وينبغي التذكير بأن الحلم ليس نصيحة طبية ولا غذائية، فلا يُبنى عليه تغيير في طعام الأطفال ولا استنتاج عن صحتهم. وإذا أقلقته أحلامه أو أمر يخص صغاره فليستشر مختصًا وليتحدث مع من يثق به.
وفي الختام، فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، ولا يصح أن يتحول إلى وعد أو قرار مصيري. والأولى بالرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعوه أن يجعل ما رآه خيرًا وأن يصرف عنه ما يكره. وليأخذ من الرؤيا معاني الرعاية والبراءة، وليجعلها دافعًا إلى الإحسان إلى أهله وأبنائه. أما الغيب وما تحمله الأيام فلا يعلمه إلا الله وحده. والله أعلم.
