قد يرى الإنسان في منامه أن أحدًا يدعوه إلى مائدته فيعتذر أو يرفض الجلوس، ويمضي في طريقه أو يبقى في مكانه. وهو مشهد قد يترك أثرًا مختلطًا بين الراحة والحرج، بحسب ما يصحبه من مشاعر. والرؤيا رمزية في أصلها، وتأويلها اجتهاد يتبدل بتبدل حال الرائي. وفيما يلي عرض لأقوال أهل التعبير ولوجوه الاحتمال على وجه الحذر ودون جزم.
ترمز المائدة إلى الاجتماع والضيافة والمشاركة والألفة، وإلى العناية بالأهل والأصحاب. وهي مكان يتجلى فيه القرب بين الناس، وقبول الدعوة إليها أو ردها قد يعبّر عن موقف الرائي من هذا القرب. ويُنظر فيها إلى الوفرة والقلة من غير جزم، فالمعنى في الغالب معنوي يتصل بالعلاقات والمشاعر. وعلى ذلك فإن رفض الدعوة لا يُقرأ بوصفه حدثًا محددًا، بل بوصفه صورة لموقف نفسي.
ويُفهم رفض الدعوة إلى المائدة على أنه تحفظ أو تريث أو اختيار للابتعاد عن أمر معروض على الرائي. وقد يرمز إلى رغبة في الحفاظ على الخصوصية، أو إلى عدم ارتياح لمجلس بعينه، أو إلى انشغال بأمر آخر يراه أولى. وقد يرمز كذلك إلى حياء أو تهيب من الدخول في صحبة جديدة. وليس في المشهد ما يقتضي ذمًّا ولا مدحًا، فقد يكون الرفض فطنة وقد يكون ترددًا، والفيصل في الحال التي يعيشها الرائي.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب المجالس والطعام أن الامتناع عن مجالسة القوم قد يُعبَّر به عن اعتزال أو عن تجنب مخالطة. وذُكر في بعض كتب التعبير أن ترك الطعام عند الناس قد يدل على تحرز من معاملة معينة. وتُذكر هذه الأقوال على سبيل الحذر، فالثبوت عن الأعلام يتفاوت. والأولى أن تُعد إشارات عامة تقبل التخصيص، وليست قواعد تلزم كل رائٍ.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الطعام والمجالس يشيران إلى الصلات والمعاملات، وأن الامتناع عنهما قد يدل على عدم رغبة في دخول علاقة أو أمر. وقال بعض المعبّرين إن الرفض بلطف وأدب قد يكون سلامة وفطنة، وإن الرفض بجفاء قد يدل على قطيعة. وهذا الاختلاف بين المعبّرين يبيّن أن الصورة الواحدة تحتمل قراءتين متقابلتين. فالأسلم أن يُنظر في مشاعر الرائي وسلوكه في المشهد قبل الترجيح.
ويصنع السياق الفارق. فإن اعتذر الرائي بأدب وارتياح، فالأقرب أنه يعبّر عن حدود صحية يضعها لنفسه. وإن رفض مع شعور بالأسف والوحدة، فقد يعبّر عن صراع بين رغبته في القرب وحاجز يمنعه. وإن رفض لأنه مشغول بأمر مهم، فقد يعبّر عن ازدحام أولوياته. ويُستحسن أن يتذكر ما كان يشغله قبل المنام، وأي دعوة أو التزام اجتماعي كان يفكر في قبوله أو ردّه.
وللتأويل وجوه بحسب الرائي. فالشاب قد يجد في المشهد تعبيرًا عن ترددّه في الانضمام إلى جماعة أو مشروع، والفتاة قد يعبّر عندها عن رغبة في الاستقلال أو في التمهل. والمرأة المتزوجة قد تقرأ فيه تعبًا من كثرة المناسبات، والموظف قد يقرأ فيه رغبة في تجنب جو عمل لا يرتاح له. وكبير السن قد يرى فيه ميلًا إلى الهدوء. وكل ذلك احتمالات للتأمل لا للحسم.
وللتفاصيل أثر. فإن كان الداعي يقبل الاعتذار بود، فقد يعبّر ذلك عن علاقة تتسع للاختلاف، وإن ألحّ عليه فقد يعبّر عن ضغط اجتماعي. وإن كان الرفض لأجل الطعام نفسه، فلا يُحمل ذلك على شيء في الواقع، فقد يكون رمزًا لتحفظ لا أكثر. وإن ندم الرائي بعد الرفض، فقد يعبّر عن رغبة مكتومة في القرب. ولا يُبنى على ذلك ظن بأحد ولا اتهام لأحد.
ومن الزاوية النفسية والعملية، قد يكون الحلم دعوة إلى أن يتعلم الرائي قول لا بلطف حين يحتاج، وأن يوازن بين حقه في الراحة وحق الناس في صلته. وقد يفيد أن يجعل ردّه على الدعوات صريحًا مهذبًا، وأن يعوّض من اعتذر إليه بزيارة أو اتصال في وقت يناسبه. وليس الحلم نصيحة طبية أو غذائية، ولا ينبغي أن يغيّر به أحد غذاءه أو علاجه. ومن النافع أن يكتب الرائي ما شعر به في المنام قبل أن ينساه، ثم يقارنه بما يمر به في يومه. فإن وجد صلة بين المشهد وموقف حقيقي، أمكنه أن يتعامل معه بوعي أكبر وهدوء أوسع. وإن لم يجد صلة، فلا حرج عليه في أن يترك الأمر ويمضي.
وفي الختام، فإن ما ذُكر اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يقطع بحال مستقبلة. ويحسن بالرائي أن يحسن الظن بالله، وأن يدعوه أن يرزقه الرشد في اختياراته وصحبة صالحة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الرؤيا إلا صورة رمزية تحتمل التأويل. فليأخذ الرائي منها ما ينفعه، وليمض في أموره مطمئنًا إلى ربه.
