قد يرى الإنسان في منامه مائدة طعام تتسع أمامه فجأة حتى تصير كبيرة جدًا، فيتعجب من هذا التحول. والرؤيا في أصلها رموز تتأثر بالأفكار والمشاعر وما يشغل النفس في اليقظة، وليست إخبارًا جازمًا بحدث بعينه. ومن طبيعة الأحلام أن تتغير فيها الأحجام والمقاييس دون منطق ظاهر. ولهذا يحسن أن تُقرأ هذه الرؤية بهدوء وأن لا يُبنى عليها توقع. وفيما يلي عرض لأبرز الاحتمالات على سبيل الاجتهاد.
المائدة رمز يدل في الغالب على الاجتماع والضيافة والمشاركة والألفة بين الناس. واتساعها المفاجئ قد يُقرأ رمزيًا على أنه شعور بسعة دائرة الأنس والعلاقات، أو برغبة في أن يتسع المكان لمن يحب. وقد يعبّر كذلك عن إحساس بكثرة المسؤوليات الاجتماعية وتزايد من يعتمدون على الرائي. وليس في هذا جزم بحدث بعينه. فالرمز يتسع لقراءات نفسية واجتماعية متعددة.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يتداوله الناس أن المائدة العامرة قد تدل على اجتماع وسعة في الصحبة، وأن تفاصيلها مناط التفسير. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن اتساع المجلس قد يشير إلى كثرة من يجتمعون حول صاحبه. ويختلف أهل التعبير في ثبوت هذه الأقوال وفي كيفية تطبيقها، فلا يُجزم بها ولا يُبنى عليها قرار. وبعضهم يقدّم المعنى المعنوي، وبعضهم يقدّم المعنى المادي. وتبقى هذه الأقوال وسيلة للاستئناس فقط.
للسياق أثر كبير في فهم الرؤية، فمائدة تكبر وهي عامرة بالأهل تختلف عن مائدة تكبر وهي فارغة. ويُنظر إلى شعور الرائي أثناء اتساعها، هل كان سرورًا أم دهشة أم رهبة. كما يُنظر إلى ما كان يشغله قبل النوم من دعوة كبيرة أو مناسبة عائلية أو التزامات تتسع. وقد يكون الحلم صدى لانشغاله بتحضير مناسبة أو بتزايد عدد من يتوقعون منه حضورًا ورعاية. والأحلام كثيرًا ما تضخّم الأشياء بحسب ما تحمله النفس من مشاعر.
وفي هذه الرؤية يرى بعض المفسرين أن اتساع المائدة قد يعبّر عن رغبة الرائي في أن يكون أكثر كرمًا واستقبالًا للناس. وقد يعبّر عن شعور بأن الأعباء الاجتماعية تكبر عليه وتتجاوز طاقته. وقد يكون مجرد أثر لتغير الأحجام في الأحلام، فيكون خاليًا من أي دلالة. ولا يعني ذلك أن شيئًا من هذا سيقع في الحقيقة، فالحلم صورة نفسية لا إنذار ولا بشارة. ويستحسن أن يُنظر إليه نظرة هادئة متزنة.
وتختلف الصورة بحسب التفاصيل، فإن اتسعت المائدة وجلس إليها أهل الرائي وأصدقاؤه في ودّ، فقد يعبّر ذلك عن أنس وانشراح. وإن اتسعت وبقيت فارغة، فقد يعكس ذلك شعورًا بالفراغ أو الحاجة إلى من يملأ المكان بالأنس. وإن اتسعت حتى شعر بالضياع بين أطرافها، فقد يعبّر ذلك عن إحساس بالانشغال الزائد. وإن كان الطعام عليها متنوعًا ومرتبًا، فقد يشير إلى استعداد نفسي لاستقبال الناس. وكل هذا من باب الاحتمال لا اليقين.
ومن الزاوية النفسية، قد يكون هذا الحلم نتاج انشغال الذهن بتوقعات اجتماعية تكبر يومًا بعد يوم. وقد يرتبط بمناسبات أو دعوات أو أعباء رعاية يتحملها الإنسان. ومن المفيد أن يتذكر أن الكرم لا يقاس بكبر المائدة بل بصدق النية وبشاشة الوجه. وليس في الحلم ما يُعدّ نصيحة طبية أو غذائية، وما يخص صحته وطعامه مرجعه الطبيب أو أخصائي التغذية. وإذا اشتد القلق من كثرة الالتزامات أو أثر في نومه، فالكلام مع أحد الأقارب أو مع مختص نفسي خطوة نافعة.
ومن الأمور العملية أن يرتب الإنسان التزاماته الاجتماعية بحسب طاقته وأن لا يحمّل نفسه فوق ما تحتمل. ويمكنه أن يطلب العون من أهله عند تحضير المناسبات وأن يقبل بما تيسر. ولا حاجة إلى ربط الحلم بتوقعات عن اتساع في الصلات أو الأحوال، فالأحلام مرآة لما في النفس لا نافذة على الغيب. وإن كانت الرؤية مريحة فلتكن دافعًا إلى صلة الأهل. وإن كانت مقلقة فلتُترك دون تتبع. ويحسن أن يتذكر الإنسان أن اتساع المكان لا يغني عن دفء القلوب، وأن القليل من الجلساء الصادقين خير من الكثير ممن لا يؤنس.
وفي الختام، فإن ما سبق اجتهاد بشري ظني لا يبلغ درجة اليقين، وقد يتغير فهم الرؤيا بتغير حال صاحبها. ويحسن بالرائي أن يُحسن الظن بالله وأن يدعو بأن يهيئ الله له الطمأنينة وسعة الصدر وحسن التدبير. وإن رأى ما يسره فليحمد الله، وإن رأى ما يزعجه فلا يبالغ في التأويل ولا يخف. والغيب لا يعلمه إلا الله، والرؤيا ليست وعدًا مضمونًا ولا إنذارًا حتميًا. فليكن الاعتماد على الله مع الأخذ بالأسباب، والله أعلم.
