قد يرى الإنسان في منامه أنه يجلس في صدر المائدة، في الموضع الذي يتصدر به الحاضرين وتتجه إليه الأنظار. وهذا المشهد يوقظ في النفس شعورين متقاربين، أحدهما شعور بالمكانة والآخر شعور بالمسؤولية. والرؤيا رمزية في أصلها، وتأويلها اجتهاد قد يتغير بتغير حال الرائي وظروفه. وفيما يلي عرض لما قاله أهل التعبير وما يمكن أن يُستأنس به دون جزم.
تقوم رمزية المائدة على الاجتماع والضيافة والمشاركة والألفة، وعلى العناية بالأهل والضيوف. وهي مكان تتجلى فيه العلاقات بين الناس، فيظهر فيه من يخدم ومن يُخدم، ومن يتكلم ومن ينصت. ويُنظر فيها إلى الوفرة والقلة من غير جزم، لأن الأثر الأكبر في الغالب معنوي. ومن ثم فإن موضع الجلوس عليها قد يعبّر عن موضع الرائي في دائرة علاقاته.
ويُفهم رأس المائدة عادة على أنه موضع التصدر والرعاية، فمن يجلس فيه يظهر بصورة من يتحمل شأن الجماعة أو يُنظر إليه في مجلسه. وقد يرمز ذلك إلى مسؤولية أسرية أو مهنية يحملها الرائي، أو إلى رغبة في أن يكون له دور أبرز بين من حوله. وقد يعبّر أيضًا عن شعور بأن الآخرين يعتمدون عليه في تدبير شؤونهم. وليس في ذلك تعيين لمنصب ولا وعد بمنزلة، وإنما هو معنى رمزي يحتمل أكثر من وجه.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب المجالس أن الجلوس في صدر المجلس قد يُعبَّر به عن شرف أو تقدم أو تحمل مسؤولية على قدر الحال. وذُكر في بعض كتب التعبير أن التصدر بين الجماعة قد يشير إلى ما يُناط بالرائي من أمور الناس. ولا تخلو هذه النسبة من تفاوت في الثبوت، فهي تُذكر هنا على سبيل الحذر والاستئناس. والأولى أن تُعد من الاجتهادات في الرمز، وليست نصوصًا تُلزم أحدًا.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن المجالس والمواضع تشير إلى المنزلة بين الناس والمعاملات، وأن حسن الموضع قد يدل على حسن القبول. وخالفه بعض المعبّرين فجعلوا العبرة بما يصاحب الجلوس من شعور، فمن جلس متواضعًا يختلف عمن جلس متكبرًا في تأويله. وهذا الاختلاف يبيّن أن موضع الجلوس وحده لا يكفي لإصدار قراءة مطمئنة. فلا بد من النظر في القرائن كلها وحال الرائي ونيته.
ويصنع السياق الفارق الأكبر. فإن جلس الرائي في رأس المائدة مرتاحًا وحوله أهله يتبادلون الود، فالأقرب أن المشهد يعبّر عن عناية واطمئنان في دوره. وإن جلس وهو متحرج أو يحس أن المكان لا يناسبه، فقد يعبّر عن ثقل مسؤولية أو خوف من تقصير. وإن كان المكان لغيره فجلس فيه دون استئذان وشعر بالحرج، فقد يعبّر عن رغبة مكتومة في دور لم يتهيأ له بعد. والمهم أن يُسأل الرائي قلبه قبل أي تفسير.
وللتأويل وجوه بحسب الرائي. فرب الأسرة قد يقرأ في المشهد صدى لقوامته على بيته وحرصه على راحة أهله. والأم قد يعبّر عندها عن دورها المحوري في تماسك الأسرة، والابن الأكبر قد يعبّر عنده عن تحمل ما يُنتظر منه. والموظف قد يعبّر عنده عن ترقب مسؤولية أكبر أو عن شعوره بقيادة فريق، والطالب قد يعبّر عنده عن رغبة في إثبات الذات. ويبقى ذلك كله في باب الاحتمال.
وللتفاصيل أثر لا يُهمل. فإن كان الحاضرون هادئين متقاربين، فقد يعبّر عن جو يسوده الاحترام. وإن كان الطعام موزعًا بعدل بين الجالسين، فقد يعبّر عن رغبة في الإنصاف وحسن القسمة. وإن كان الرائي يحس بنظرات الآخرين تثقل عليه، فقد يعبّر عن خشية من تقويم الناس. وإن لم يكن حوله أحد، فقد يعبّر عن شعور بالانفراد بالمسؤولية.
ومن الناحية النفسية والعملية، فإن هذا الحلم قد يأتي حين يشعر المرء بزيادة أعبائه أو بتوقعات الآخرين منه. وقد يفيده أن يوزع المهام، وأن يطلب العون من أهله وزملائه، فلا يحمل ما يفوق طاقته. والتصدر الحقيقي يكون بحسن الإنصات والتواضع أكثر مما يكون بالموضع. وليس الحلم نصيحة طبية أو غذائية، ولا دليلًا على حال الجسد أو الطعام. ومن المفيد أن يوازن الرائي بين ما يطلبه منه الناس وما يستطيعه فعلًا، فالرضا الداخلي أبقى من المظهر. وإذا ضاق صدره بمسؤولية بعينها، فخير له أن يستشير أهل الرأي من أهله وأصحابه ويأخذ بنصحهم.
وفي الختام، فإن ما سبق اجتهاد بشري ظني، لا يقطع بما سيكون ولا يعطي وعدًا بمنصب أو مكانة. ويحسن بالرائي أن يحسن الظن بالله، وأن يدعوه أن يعينه على أداء ما عليه من حقوق. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الرؤيا إلا رمز يحتمل التأويل. فليأخذ الرائي من الصورة ما يدعوه إلى التواضع وحسن الرعاية، وليمض في أمره على بصيرة وطمأنينة.
