قد يرى الإنسان في منامه أنه يدعو شخصًا إلى مائدته، فيقول له تفضل أو يشير إليه بالجلوس ويفسح له مكانًا بين الحاضرين. وهذا المشهد يحمل في الغالب شيئًا من الود والرغبة في التقارب، وقد يصحبه إحساس بالسرور أو بالتردد بحسب الحال. والرؤيا رمزية في أصلها، وتأويلها اجتهاد يختلف باختلاف الرائي وظروفه. وفيما يلي عرض لأقوال أهل التعبير ولوجوه الفهم المحتملة دون جزم بشيء.
تقوم رمزية المائدة على الاجتماع والضيافة والمشاركة والألفة، وعلى العناية بالأهل والأصحاب. وهي مكان يلتقي عنده الناس على شيء مشترك، فتتجلى فيه المودة أو الفتور بين الجالسين. ويُنظر فيها إلى الوفرة والقلة، لكن دون جزم، فالمعنى في كثير من الأحوال معنوي يتصل بالعلاقات. ولذلك فإن دعوة أحد إلى المائدة تُقرأ في الجملة على أنها دعوة إلى القرب والمشاركة.
أما دعوة شخص إلى المائدة فتُفهم عادة على أنها بسط لليد بالمودة وإفساح للمكان في الحياة لمن يُدعى. فمن يدعو غيره يظهر بصورة من يبادر بالخير ويحب أن يشارك ما عنده، وقد يرمز ذلك إلى رغبة في صلة أو مصالحة أو تعارف. وقد يعبّر عن حرص الرائي على أن يكون كريمًا مع من حوله، أو عن شعوره بأن عليه حقًا لهذا الشخص. وقد يكون كذلك صدى لموقف حقيقي فكّر فيه الرائي قبل نومه. ولا يلزم من المشهد تعيين حدث بعينه.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب الطعام والضيافة أن إطعام الناس ودعوتهم قد يُعبَّر به عن صلة وإكرام وحسن معاشرة. وذُكر في بعض كتب التعبير أن من يدعو الناس إلى طعامه قد يكون ممن يجمع الشمل أو يبادر بالمعروف. وهذه النسبة تحتاج إلى حذر، إذ تتفاوت الكتب في ثبوت ما تنسبه إلى أعلامها. فتُذكر هنا على وجه الاستئناس، وليست قاعدة ملزمة لكل من رأى مثل هذه الصورة.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الطعام الذي يُقدَّم للناس يشير إلى الصلات والمعاملات بين الناس، وأن الدعوة إليه قد تدل على بسط في العلاقة. وقال بعض المعبّرين إن للدعوة معنى بحسب المدعو، فإن كان محبوبًا دلت على أنس، وإن كان غريبًا دلت على انفتاح. وخالفهم من جعل العبرة بنية الرائي وحاله لا بصفة المدعو. وهذا التباين يعلّم القارئ أن الرؤيا باب واسع للاجتهاد.
ويؤثر السياق في الفهم تأثيرًا كبيرًا. فدعوة شخص بوجه بشوش وطيب نفس تختلف عن دعوته بتحفظ أو مجاملة ثقيلة. وإن كان المدعو يقبل بسرور، فقد يعبّر المشهد عن تقارب ممكن، وإن تردد فقد يعبّر عن حذر في العلاقة. ويُنظر إلى ما إذا كانت المائدة معدة أو فارغة، وإلى عدد الحاضرين، وإلى المكان. وحين يستيقظ الرائي فإن شعوره بالارتياح أو الحرج يرشده كثيرًا في الترجيح.
وللتأويل وجوه بحسب حال الرائي. فربة البيت قد تجد في المشهد انعكاسًا لحرصها على ضيافة من تحب، والموظف قد يعبّر عنده عن رغبة في توثيق صلته بزميل أو مسؤول. والشاب قد يعبّر عنده عن رغبة في التعارف أو توسيع دائرة الأصحاب، والمسنّ قد يعبّر عنده عن شوق إلى لمة أنيسة. وقد يرى من بينه وبين غيره جفوة في المشهد رغبة داخلية في المصالحة. وكل هذه احتمالات للتأمل لا للحسم.
وتفاصيل المشهد تضيف معاني دقيقة. فإن كان المدعو معروفًا للرائي، فقد يعبّر ذلك عن مشاعر خاصة تجاهه، وإن كان مجهولًا فقد يعبّر عن انفتاح على علاقات جديدة. ولا ينبغي أن يُبنى على ذلك موقف سلبي من شخص بعينه ولا ظن به. وإن كان الرائي يحس بالسعادة وهو يفسح المكان، فقد يعبّر عن حب العطاء، وإن كان يحس بالثقل فقد يعبّر عن ضغط اجتماعي. ويبقى ذلك كله من باب التقدير لا اليقين.
ومن الزاوية النفسية والعملية، قد يكون الحلم تعبيرًا عن رغبة في تقوية الروابط الاجتماعية أو إصلاح علاقة فترت. وقد يفيد الرائي أن يبادر إلى لقاء بسيط أو اتصال لطيف بمن يفكر فيه، دون إثقال على نفسه أو عليه. وإن شعر بالتعب من المجاملات، فله أن يضبط حدود الضيافة بما يناسب طاقته ووقته. وليس الحلم نصيحة طبية أو غذائية، ولا ينبغي أن يغيّر به أحد نظامه الغذائي أو علاجه.
وفي الختام، فإن ما ذُكر اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يقطع بما سيكون. ويحسن بالرائي أن يحسن الظن بالله، وأن يدعو بالخير لنفسه ولمن يحب، وأن يسعى في الصلة بما يستطيع. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الرؤيا إلا صورة تحتمل التأويل. فليأخذ الرائي منها ما يقرّبه من الناس ويصلح ما بينه وبينهم، وليمض مطمئنًا إلى ربه.
