قد يرى المريض مائدة طعام في منامه فيتساءل عن معناها، خاصة أن الطعام يشغل باله في أيام الألم والعلاج. والرؤيا في أصلها رموز تتأثر بالأفكار والمشاعر وما يعيشه الإنسان في يقظته، وليست خبرًا قاطعًا عن حاله أو مآله. ولهذا يقتصر هذا المقال على القراءة الرمزية العامة دون أي كلام عن مآل مرض أو علاج. ويحسن أن تُقرأ الرؤية بهدوء دون قلق أو توقع. وفيما يلي عرض لأبرز المعاني الممكنة على سبيل الاجتهاد.
المائدة رمز يدل في الغالب على الاجتماع والضيافة والمشاركة والألفة بين الناس. وهي تعبّر عن العناية بالأهل وعن الأنس بمجالس الطعام وتبادل المودة. وقد توحي وفرة الطعام بالسعة، وقد توحي قلته بالانشغال أو الحاجة، دون جزم بأحدهما. وللمريض قد تحمل المائدة معنى الحنين إلى حياته المعتادة وإلى الجلوس مع أحبته. فهي رمز يتسع لقراءات نفسية واجتماعية متعددة.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يتداوله الناس أن المائدة العامرة مع جماعة طيبة قد تدل على صحبة وأنس ومجالس خير. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن المائدة المهيأة تدل على استعداد واهتمام بمن حول الرائي. ويختلف أهل التعبير في ثبوت هذه الأقوال وفي كيفية تطبيقها، فلا يُجزم بها ولا يُبنى عليها توقع بشأن الصحة. وبعضهم يقدّم المعنى المعنوي، وبعضهم يقدّم المعنى المادي. وتبقى هذه الأقوال وسيلة للاستئناس فقط.
للسياق أثر كبير في فهم الرؤية، فمائدة يجتمع عليها الأهل حول المريض تختلف عن مائدة خالية أو بعيدة عنه. ويُنظر إلى شعوره أثناء الحلم، هل كان مطمئنًا أم مشتاقًا أم متضايقًا. كما يُنظر إلى ما يشغله في يقظته من حمية أو مواعيد علاج أو غياب عن موائد الأهل. وقد يكون الحلم صدى لرغبته في الطعام الذي يحبه أو في الجلوس مع أسرته كما كان. والأحلام كثيرًا ما تعبّر عما تفتقده النفس في يومها.
وللمريض في هذه الرؤية دلالات تتصل بحاجته إلى الأنس والرعاية. فمائدة يجتمع عليها أهله قد تعبّر عن اشتياق إليهم وإلى حضورهم ودفئهم. وإن رأى نفسه جالسًا إلى المائدة مع من يحب، فقد يدل ذلك على سكينة نفسية أو أمنية في الاجتماع بهم. وإن رأى المائدة بعيدة عنه، فقد يعبّر ذلك عن شعور بالانفراد أو بالبعد عن حياته المعتادة. ولا يُفهم شيء من ذلك على أنه إشارة إلى تحسن أو تغير في حاله، فالأحلام لا تُعلم بها الأحوال الصحية.
وقد تختلف الصورة بحسب التفاصيل، فالمائدة المرتبة الهادئة توحي بالسكينة، والمزدحمة قد توحي بكثرة الأفكار. ونوع الطعام يُنظر إليه كذلك، فالمألوف المحبب يدل على حنين إلى المعتاد، والغريب قد يدل على رغبة في التغيير. وإن كان المريض يتناول طعامه مع أحبته في الحلم بأنس، فقد يعبّر ذلك عن حاجته إلى مشاركتهم أوقاته. وإن بقيت الأطباق دون آكل، فقد يشير ذلك إلى انتظار أو اشتياق. وكل هذا من باب الاحتمال لا اليقين.
ومن الزاوية النفسية، قد تعبّر المائدة عن حاجة المريض إلى الإحساس بأنه ما زال جزءًا من الجماعة وأن أهله يشاركونه أيامه. وقد تكون الرؤية دعوة رمزية إلى أن يطلب من أقاربه الجلوس معه والتحدث إليه. ومن المفيد أن يحيط نفسه بالصحبة الهادئة وأن يعبّر لمن حوله عما يحتاجه من أنس. وليس في الحلم ما يُعدّ نصيحة طبية أو غذائية، وما يخص طعامه ودواءه مرجعه الطبيب أو أخصائي التغذية المعالج. وإذا اشتد عليه القلق أو الحزن، فالكلام مع أهله أو مع مختص نفسي خطوة نافعة.
وعلى أهل المريض أن يدركوا أن الجلوس معه والتحدث إليه من أعظم صور العناية، ولو لم يتناول معهم الطعام. فالمائدة في الرؤيا قد تُذكّر بأن الأنس لا يقتصر على الأكل بل يشمل القرب والاهتمام. ولا ينبغي للمريض أن يخالف توجيهات طبيبه في الطعام استنادًا إلى حلم رآه، فالحلم لا يغير شيئًا من ذلك. وليكن التفكير هادئًا بعيدًا عن التوقعات والتخمينات. والأهم أن يحس بحب من حوله واهتمامهم.
ومن الأمور العملية أن يرتب المريض مع أهله أوقاتًا لطيفة للجلوس معًا، ولو على مائدة صغيرة وفق ما يسمح به وضعه وما يوصي به طبيبه. ويمكنه أن يستعيض عن الطعام بمشاركة الكلام والذكريات الطيبة إن لم يكن الأكل ميسورًا. ولا حاجة إلى تتبع تفاصيل الحلم أو السؤال عن علاماته، فالأحلام مرآة لما في النفس لا نافذة على الغيب. وإن بقيت الرؤية تقلقه فليصرف ذهنه إلى ما يريحه. وفي صحبة الأحبة ما يخفف كثيرًا من الثقل.
وفي الختام، فإن ما سبق اجتهاد بشري ظني لا يبلغ درجة اليقين، وقد يتغير فهم الرؤيا بتغير حال صاحبها. ويحسن بالرائي أن يُحسن الظن بالله وأن يدعو بأن يمنحه الله العافية والطمأنينة والصبر الجميل. وإن رأى ما يسره فليحمد الله، وإن رأى ما يزعجه فلا يبالغ في التأويل ولا يخف. والغيب لا يعلمه إلا الله، والرؤيا ليست وعدًا مضمونًا ولا إنذارًا حتميًا. فليكن الاعتماد على الله مع الأخذ بالأسباب، والله أعلم.
