قد يرى الإنسان في منامه مائدة طعام بلون غير مألوف، كأن تكون زرقاء أو بنفسجية أو بلون لا يعرفه، فيتساءل عن سر هذا اللون. والرؤيا في أصلها رموز تتأثر بالأفكار والمشاعر وما يشغل النفس في اليقظة، وليست إخبارًا جازمًا بحدث بعينه. ومن طبيعة الأحلام أن تتبدل فيها الألوان وأن تظهر الأشياء بصور غير مألوفة. ولهذا يحسن أن تُقرأ هذه الرؤية بهدوء وأن لا يُبنى عليها توقع. وفيما يلي عرض لأبرز الاحتمالات على سبيل الاجتهاد.
المائدة رمز يدل في الغالب على الاجتماع والضيافة والمشاركة والألفة بين الناس. ولونها الغريب قد يُقرأ رمزيًا على أنه إشارة إلى أن الرائي ينظر إلى مجالس الأنس بعين مختلفة عن المعتاد. وقد يعبّر عن شعور بالغرابة تجاه مناسبة أو جمع من الناس، أو عن رغبة في التجديد والخروج عن المألوف. وليس في هذا جزم بحدث بعينه. فالرمز يتسع لقراءات نفسية واجتماعية متعددة.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يتداوله الناس أن للألوان في الرؤى دلالات تختلف بحسب الأحوال، وأن المائدة تدل على اجتماع وصحبة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن تفاصيل المشهد هي مناط التفسير لا الظاهر وحده. ويختلف أهل التعبير في ثبوت هذه الأقوال وفي كيفية تطبيقها، فلا يُجزم بها ولا يُبنى عليها توقع. وبعضهم يقدّم المعنى المعنوي للألوان، وبعضهم يقدّم المعنى المادي. وتبقى هذه الأقوال وسيلة للاستئناس فقط.
للسياق أثر كبير في فهم الرؤية، فمائدة غريبة اللون في جو هادئ تختلف عن مائدة غريبة اللون في جو متوتر. ويُنظر إلى شعور الرائي عند رؤيتها، هل كان إعجابًا أم دهشة أم انزعاجًا. كما يُنظر إلى ما شاهده في يومه من ألوان أو ديكور أو أطعمة قد تكون تركت أثرًا في ذهنه. وقد يكون الحلم صدى لمشهد رآه في فيلم أو صورة أو مكان زاره مؤخرًا. والأحلام كثيرًا ما تمزج الألوان والصور بلا ترتيب.
وفي هذه الرؤية يرى بعض المفسرين أن اللون الغريب قد يعبّر عن حال نفسية معينة، فالألوان الهادئة قد توحي بالسكينة، والألوان الحادة قد توحي بالتوتر أو التنبه المفرط. وهذه قراءة نفسية عامة تختلف من شخص إلى آخر ومن ثقافة إلى أخرى. وقد يكون اللون مجرد أثر لخيال الحلم، فيكون خاليًا من أي دلالة. ولا يعني ذلك أن شيئًا بعينه سيقع في الحقيقة. ويستحسن أن يُنظر إلى المشهد نظرة هادئة متزنة.
وتختلف الصورة بحسب التفاصيل، فإن كانت المائدة بلون هادئ جميل وحولها الأهل في أنس، فقد يعبّر ذلك عن راحة نفسية ورضا. وإن كان لونها حادًا أو منفرًا، فقد يعكس ذلك شعورًا بعدم الارتياح تجاه مجلس أو علاقة. وإن تغير لونها أمام الرائي من لون إلى آخر، فقد يشير إلى تبدل في مزاجه أو أفكاره. وإن كان الطعام عليها بألوان طبيعية، فقد يدل على بقاء الصلة بالواقع. وكل هذا من باب الاحتمال لا اليقين.
ومن الزاوية النفسية، قد يكون هذا الحلم نتاج انطباعات بصرية تراكمت في اليقظة ثم أعاد الدماغ تركيبها أثناء النوم. وقد يرتبط بحالة من الفضول أو الرغبة في التغيير أو التعب من الروتين. ومن المفيد أن يتذكر الإنسان أن الألوان في الأحلام ليست مقياسًا للأحوال ولا للأشخاص. وليس في الحلم ما يُعدّ نصيحة طبية أو غذائية، وما يخص صحته وطعامه مرجعه الطبيب أو أخصائي التغذية. وإذا تكررت الأحلام المزعجة أو أثرت في نومه، فالكلام مع أحد الأقارب أو مع مختص خطوة نافعة.
ومن الأمور العملية أن يهتم الإنسان بنومه وراحته وأن يخفف من المشاهد البصرية الكثيفة قبل النوم كالشاشات والأضواء الساطعة. ويمكنه أن يجدد روتين مائدته بتفاصيل بسيطة كإضافة مفرش جميل أو ترتيب مختلف، فذلك يمنح الأنس شيئًا من التجديد. ولا حاجة إلى ربط الحلم بتوقعات عن لون بعينه، فالأحلام مرآة لما في النفس لا نافذة على الغيب. وإن كانت الرؤية طريفة فلتُؤخذ بابتسامة. وإن كانت مقلقة فلتُترك دون تتبع.
وفي هذا السياق يحسن التذكير بأن اللون الغريب في الحلم كثيرًا ما يكون مجرد دليل على مرونة العقل أثناء النوم. فالدماغ يعيد صياغة ما رآه بلا قيد من واقع أو منطق، وينتج مشاهد لا تتكرر في اليقظة. ولذلك لا يصح أن يُجعل اللون أساسًا لخوف أو أمل. ويبقى الأهم ما يتركه الحلم من شعور في النفس بعد الاستيقاظ. فإن كان الشعور مريحًا فهو كافٍ، وإن كان مزعجًا فلتُصرف النفس عنه.
وفي الختام، فإن ما سبق اجتهاد بشري ظني لا يبلغ درجة اليقين، وقد يتغير فهم الرؤيا بتغير حال صاحبها. ويحسن بالرائي أن يُحسن الظن بالله وأن يدعو بأن يهيئ الله له الطمأنينة وسعة الصدر. وإن رأى ما يسره فليحمد الله، وإن رأى ما يزعجه فلا يبالغ في التأويل ولا يخف. والغيب لا يعلمه إلا الله، والرؤيا ليست وعدًا مضمونًا ولا إنذارًا حتميًا. فليكن الاعتماد على الله مع الأخذ بالأسباب، والله أعلم.
