قد يرى الإنسان في منامه مائدة جلس إليها وجوه لا يعرفها، يتبادلون الطعام أو الكلام بين أنفسهم أو معه. وهذا المشهد قد يثير شيئًا من الحيرة أو الفضول، وقد يمر بهدوء دون أثر يُذكر. والرؤيا رمزية في أصلها، وتأويلها اجتهاد يختلف باختلاف حال الرائي وظروفه. وما يلي عرض لأقوال أهل التعبير ولوجوه الاحتمال بأسلوب هادئ، دون اتهام لأحد ودون افتراض شيء عن الجالسين.
ترمز المائدة إلى الاجتماع والضيافة والمشاركة والألفة، وإلى العناية بالأهل والضيوف. وهي موضع يلتقي عنده الناس على شيء مشترك، حتى من لم يكن بينهم سابق معرفة. ويُنظر فيها إلى الوفرة والقلة من غير جزم، لأن المعنى غالبًا معنوي يتصل بالعلاقات. وإذا كان الجالسون مجهولين للرائي، فإن المشهد يُقرأ في الجملة على أنه صورة للجديد وغير المألوف في دائرته، لا على أنه تعيين لأشخاص بأعيانهم.
ويُفهم وجود غير المعروفين حول المائدة على وجوه عدة، منها الانفتاح على علاقات جديدة أو ظروف لم تألفها النفس بعد. وقد يرمز إلى مرحلة انتقال، كمدرسة أو عمل أو حي جديد، يلتقي فيها الرائي بوجوه لم يعتد عليها. وقد يعبّر عن شعور بالغربة أو الحذر في مجلس لا يعرف أهله. وقد يعبّر عن فضول إلى معرفة الناس والاختلاط بهم. وليس في المشهد ما يقتضي ظن شيء بأحد منهم، فهم صور في الحلم لا أكثر.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب الطعام والمجالس أن الجلوس مع من لا يعرفهم الإنسان قد يُعبَّر به عن مخالطة جديدة أو معاملة مع ناس لم يألفهم. وذُكر في بعض كتب التعبير أن حال الجالسين وسلوكهم في المنام يؤثران في تأويل الصورة. وهذه النسبة تحتاج إلى حذر، فالثبوت عن الأعلام يتفاوت بين كتب التعبير. فتُذكر هنا للاستئناس لا للإلزام، ولا يُبنى عليها يقين ولا ظن بشخص.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الطعام يشير إلى المعاملات والصلات، وأن الاجتماع عليه مع الغرباء قد يدل على معاملة أو علاقة جديدة. وقال بعض المعبّرين إن العبرة بما يصحب المجلس من مشاعر، فإن كان هادئًا حُمدت الصورة، وإن كان فيه ما يزعج فقد يعبّر عن حاجة إلى الحذر والتروي. وهذا الاختلاف يعلّم القارئ أن الرمز الواحد لا يُحبس في قالب واحد. فالأسلم أن يُجمع بين القراءتين ثم يُرجَّح بحال الرائي.
ويؤثر السياق كثيرًا في الفهم. فإن كان الغرباء ودودين وجوًّا هادئًا يحيط بهم، فالأقرب أن المشهد يعبّر عن انفتاح مريح على الجديد. وإن كان الرائي يشعر بالتوتر بينهم، فقد يعبّر عن قلق من تجربة أو علاقة لم تتضح بعد. وإن كان يجلس بينهم بلا مبالاة، فقد يعبّر عن اعتياده على التنقل بين البيئات. ويحسن أن يستحضر ما كان ينتظره قبل النوم من لقاء أو انتقال أو تعارف.
وللتأويل وجوه بحسب الرائي. فالطالب المنتقل إلى مرحلة جديدة قد يجد في المشهد صدى لانتقاله، والموظف الجديد قد يعبّر عنده عن مرحلة تعارف مع زملاء. والمغترب قد يعبّر عنده عن مجتمع جديد يتعرف عليه، والمرأة قد تقرأ فيه تحضيرًا لدخول وسط اجتماعي مختلف. والمسنّ قد يرى فيه ترقبًا لأمر غير مألوف. وكل ذلك احتمالات تُعرض للتأمل ولا تُفرض على أحد.
وفي التفاصيل أثر. فإن كان الغرباء يرحبون بالرائي ويفسحون له مكانًا، فقد يعبّر ذلك عن توقع قبول في بيئة جديدة، وإن كانوا لا يلتفتون إليه فقد يعبّر عن شعور بعدم الانتماء بعد. وإن كان الطعام مألوفًا رغم غرابة الوجوه، فقد يعبّر عن ثبات الأصل مع تغير المحيط. وإن اختفى الجالسون فجأة، فقد يعبّر عن عبور مؤقت لا أكثر. ويبقى كل ذلك في دائرة التقدير لا اليقين.
ومن الناحية النفسية والعملية، قد يكون الحلم تعبيرًا عن تهيب من الجديد أو فضول نحوه. وقد يفيد الرائي أن يتعامل مع من يلقاهم بحسن الظن وبحذر معتدل، وأن يتعرف عليهم بتدرج وبما يناسبه. ولا ينبغي أن يتحول الحلم إلى سبب لسوء الظن بأحد في الواقع. وليس الحلم نصيحة طبية أو غذائية، ولا ينبغي أن يغيّر به أحد نظام طعامه أو علاجه.
وفي الختام، فإن ما ذُكر اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يقطع بحال أحد ولا بما سيكون. ويحسن بالرائي أن يحسن الظن بالله، وأن يدعو الله أن يرزقه صحبة صالحة وأن يجنبه الفتن. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الرؤيا إلا رمز يحتمل التأويل. فليأخذ الرائي منها ما يعينه على حسن التعامل مع الناس، وليمض في أموره مطمئنًا إلى ربه.
