إذا رأى النائم مائدة عليها شاي وقهوة، فإن المشهد يستحضر جلسات الأنس الهادئة التي يطول فيها الكلام. والشاي والقهوة من أبسط صور الضيافة وأكثرها حضورًا في اللقاءات اليومية. وقد تترك الرؤيا في النفس شعورًا بالدفء أو بالسكينة بحسب ما يصاحبها. غير أنها صورة رمزية تتأثر بحال صاحبها، ولا يُقطع فيها بأمر. ولذلك تُقرأ بهدوء ويؤخذ منها ما يوافق الواقع.
تدل المائدة في أصل الرمز على الاجتماع والضيافة والمشاركة والألفة والعناية بالأهل. وإذا كان عليها شاي وقهوة فإن الدلالة تميل إلى الأنس والمجالسة، وإلى لقاء يمتد فيه الكلام بلا عجلة. وقد تعبر عن رغبة الرائي في جلسة صافية مع من يحب. وقد تشير كذلك إلى استقبال ضيف أو إلى انتظار لقاء، فالشاي والقهوة أول ما يُقدم للزائر. ويبقى ترجيح المعنى مرهونًا بالسياق وبشعور الرائي.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب الطعام أن المائدة مجلس وصحبة، وأن الطعام والشراب الطيب عليها يدل على خير يجمع أهلها. ولم يُعرف عنه فيما يُنقل نص خاص بالشاي والقهوة، فيرجع المفسرون في ذلك إلى القياس على أصل الرمز. ويقول بعض من اشتغل بهذا الباب إن الشراب الدافئ الطيب يرتبط بالأنس وصفاء المجلس. وتختلف النسخ في ألفاظ هذه الأقوال، فلا يصح الجزم بتفاصيلها. ولهذا يستأنس بها الرائي دون أن يعتمد عليها اعتمادًا كاملًا.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن المائدة تعبر عن مجلس أو مناسبة فيها اجتماع، وأن حالها دليل على حال أصحابها. ويرى بعض المعاصرين أن الشاي والقهوة في الأحلام يرمزان إلى الرغبة في الراحة والمجالسة، وإلى حاجة النفس إلى هدوء بعد انشغال. ومنهم من يرى أنها قد تعكس مجرد عادة يومية أو اشتياق إلى فنجان معتاد. وهناك من يحذر من ربطها بحدث محدد أو بوعد قريب. وهذا التباين يدعو إلى الموازنة بين الآراء بحسب الواقع.
يتغير المعنى بتغير السياق. فإذا كانت المائدة التي عليها الشاي والقهوة في بيت الرائي وحولها أهله، مالت الدلالة إلى الألفة وحسن الجلسة. وإذا كانت في مقهى أو مجلس عام، فقد تعبر عن لقاء أصدقاء أو تبادل أخبار. وإذا كان الشراب باردًا أو متروكًا، فقد يشير ذلك إلى لقاء لم يكتمل أو إلى انشغال عن الجلسة. أما شعور الرائي فهو معيار مهم، فالراحة تقوي المعنى الحسن، والاستعجال ينبه إلى كثرة المشاغل.
إذا كان الرائي أعزب، فقد تعكس المائدة التي عليها الشاي والقهوة حنينه إلى جلسات الأسرة المسائية، أو رغبته في بيت يستقبل فيه من يحب. وقد تعبر عن حاجته إلى صحبة يطمئن إليها وكلام صريح. وربما كانت صدى لفنجان قهوة تناوله أو لقاء قريب قبل نومه. وليس في ذلك ما يستلزم حدثًا قريبًا، فالنفس تستعيد ما شغلها. والأولى أن يتأمل الرائي حاله الحقيقية.
أما المرأة المتزوجة فقد تدل المائدة التي عليها الشاي والقهوة في منامها على اهتمامها بإعداد الضيافة لأسرتها وزوارها، أو على رغبتها في جلسة هادئة مع زوجها. وقد تعبر عن حاجتها إلى استراحة قصيرة وسط أعباء البيت. وللرجل المتزوج قد تشير إلى حرصه على جلسة أسرية صافية، أو إلى انشغاله بلقاءات الأصدقاء والعمل. وقد تظهر عند من يستعد لزيارة بوصفها صدى لهذا الانتظار. وكل ذلك احتمالات تقبل الأخذ والرد.
من التفاصيل المؤثرة نوع الشاي والقهوة وطريقة تقديمهما، وهل الأواني نظيفة جميلة، وهل الشراب ساخن طيب الرائحة. ويُنظر كذلك إلى من يسكب ويقدم، وإلى عدد الفناجين وهل يكفي الجالسين. ومن التفاصيل الحلوى أو التمر المصاحب لهما، وأجواء الجلسة من ضحك وهدوء وكلام. ويُنظر أيضًا إلى الوقت صباحًا كان أم مساءً. ويحسن أن يدون الرائي ما يتذكره فور استيقاظه.
من الناحية العملية والنفسية، قد تكون هذه الرؤيا دعوة إلى جلسة هادئة مع من يحب دون تكلف، وإلى تخصيص وقت للإنصات والكلام. وقد تعبر عن حاجة إلى الراحة من إيقاع الأيام السريع. كما أن العادة اليومية أو الاشتياق إلى فنجان معتاد قد يفسر ظهور مثل هذه المائدة. وينبغي التذكير بأن الحلم ليس نصيحة طبية ولا غذائية، فلا يُبنى عليه تغيير في الأكل والشرب ولا استنتاج عن الصحة. وإذا أقلقته أحلامه فليستشر مختصًا وليتحدث مع من يثق به.
وفي الختام، فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، ولا يصح أن يتحول إلى وعد أو قرار مصيري. والأولى بالرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعوه أن يجعل ما رآه خيرًا وأن يصرف عنه ما يكره. وليأخذ من الرؤيا معاني الأنس والصفاء، وليجعلها دافعًا إلى الإحسان إلى أهله وأصدقائه. أما الغيب وما تحمله الأيام فلا يعلمه إلا الله وحده. والله أعلم.
