قد يرى الإنسان في منامه مائدة ممدودة نظيفة لا طعام عليها، وربما يجلس إليها أو يمر بها أو ينتظر أن يُوضع عليها شيء. وهو مشهد قد يثير في النفس تساؤلًا أو شعورًا بالفراغ، وقد يمر بهدوء دون أثر. والرؤيا رمزية في أصلها، وتأويلها اجتهاد يختلف باختلاف حال الرائي وظروفه. وما يلي عرض لأقوال أهل التعبير ولوجوه الاحتمال بأسلوب هادئ لا يخيف ولا يجزم، ولا يُفهم منه أي استنتاج عن حال مادية.
ترمز المائدة إلى الاجتماع والضيافة والمشاركة والألفة، وإلى العناية بالأهل ومن يتصل بهم. وهي في المنام قد تكون موضعًا يُراد به اللقاء أكثر مما يُراد به الطعام نفسه. ويُنظر فيها إلى الوفرة والقلة من غير جزم، لأن المعنى في كثير من الأحيان معنوي يتصل بالعلاقات والاستعداد. ولذلك لا تُفسَّر المائدة الخالية بفقر أو حرمان مؤكد، إذ ليس في الصورة ما يدل على ذلك قطعًا.
ويُفهم خلو المائدة من الطعام على وجوه عدة، منها أن الأمر ما زال في طور التهيئة، فالمكان معدّ ولم يكتمل. وقد يرمز إلى انتظار لقاء أو مناسبة لم يحن وقتها بعد، أو إلى رغبة في اجتماع لم تتضح صورته. وقد يعبّر عن أن العبرة في الصحبة لا في الطعام، فالمائدة تجمع الناس ولو لم يكن عليها شيء. وقد يكون انعكاسًا لشعور بالفراغ أو الترقب في اليقظة. وكل ذلك احتمالات لا يُجزم بواحد منها.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب الطعام أن الطعام يدل على المعاش والمعاملات، وأن غيابه قد يُعبَّر به عن توقف أمر أو عدم اكتماله. وذُكر في بعض كتب التعبير أن خلو الأواني قد يشير إلى حاجة إلى تهيئة أو استعداد. وهذه النسبة تحتاج إلى حذر شديد، فالثبوت عن الأعلام يتفاوت، ولا ينبغي أن يُستدل بها على ضيق أو خوف. فتُذكر على سبيل الاستئناس فقط، ويُرجَّح عليها ما يناسب حال الرائي وقرائن منامه.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الطعام يشير إلى المعاملات والصلات، وأن المائدة الخالية قد تدل على أمر ما زال معلقًا أو غير مكتمل. وقال بعض المعبّرين إنها قد تدل على صفاء وبساطة وتجرد للقاء، وإنها قد تكون بداية لأمر جديد لم يُملأ بعد. وهذا الاختلاف بين القراءتين يبيّن أن الصورة الواحدة تحتمل التفاؤل والتحفظ معًا. فلا يصح الاكتفاء بقول واحد، ولا الجزم بوجه دون آخر.
ويؤثر السياق كثيرًا في الفهم. فالمائدة الخالية في مكان مألوف ينتظر فيه الرائي أهله تختلف عن مائدة خالية في مكان موحش. وإن كان الرائي مطمئنًا وهو ينظر إليها، فالأقرب أن المشهد يعبّر عن تهيئة هادئة أو انتظار لا ضيق فيه. وإن كان قلقًا، فقد يعبّر عن توتر من أمر لم يكتمل أو عن حاجة إلى طمأنة. ويحسن أن يستحضر ما كان يشغله قبل النوم، وهل كان يتهيأ لمناسبة أو ينتظر شيئًا.
وللتأويل وجوه بحسب الرائي. فربة البيت قد تجد في المشهد صدى لتحضير لم يكتمل أو رغبة في دعوة لم تُنظَّم بعد، والشاب قد يعبّر عنده عن مرحلة بداية لم تتضح معالمها. والموظف قد يعبّر عنده عن مشروع في أول تخطيطه، والطالب قد يعبّر عنده عن مرحلة تهيؤ قبل الجد. والمسنّ قد يرى فيه حنينًا إلى لمة غابت. وهذه كلها احتمالات للتأمل ولا يُبنى عليها قرار.
وفي التفاصيل ما يضيف معنى. فإن كانت المائدة نظيفة مرتبة، فقد يعبّر ذلك عن استعداد وصفاء، وإن كانت مهملة فقد يعبّر عن حاجة إلى اهتمام بشأن مهمل. وإن كان حولها كراسٍ وجالسون يشغلونها، فقد يعبّر عن اجتماع يسبق الشيء المنتظر، وإن كانت وحدها فقد يعبّر عن رغبة في الصحبة. وإن كان الرائي يشعر بالجوع، فقد يكون الحلم صدى للجسد لا أكثر. ويبقى ذلك كله في دائرة التقدير لا اليقين.
ومن الناحية النفسية والعملية، قد يكون الحلم تعبيرًا عن حاجة إلى ملء وقت أو علاقة أو مشروع بما يناسبه. وقد يفيد الرائي أن يفكر فيما يود أن يبدأه، وأن يخطو فيه خطوة صغيرة بدل الانتظار الطويل. ولا ينبغي أن يُفهم الحلم على أنه إشارة إلى فقر أو نقص مؤكد، ولا على أنه نصيحة طبية أو غذائية. فليس فيه ما يوجب تغيير الغذاء أو العلاج، وإنما هو صورة ذهنية تدعو إلى التأمل في معنى الاستعداد.
وفي الختام، فإن ما ذُكر اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يقطع بما سيكون. ويحسن بالرائي أن يحسن الظن بالله، وأن يدعوه بالخير والبركة في رزقه وأهله وعمله. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الرؤيا إلا صورة تحتمل التأويل. فليأخذ الرائي منها ما يدفعه إلى حسن التهيؤ، وليطمئن قلبه، وليمض في أموره متوكلًا على ربه.
