القدم من الرموز التي تتكرر في المنامات، وهي عضو بسيط في ظاهره لكنه مرتبط في اليقظة بالمشي والوقوف والانتقال. ولذلك اتجهت إليه عناية المعبّرين قديمًا، وكثر السؤال عنه عند الناس على اختلاف أحوالهم وأعمارهم. وينبغي أن يُفهم من البداية أن الرؤيا لغة رمزية تتكلم بالصور، وليست نقلًا حرفيًا لما سيقع في الواقع. وتختلف دلالة القدم من رائٍ إلى آخر بحسب حاله وعمله وأسرته وما يشغل باله. وهذا المقال عرض عام لأشهر ما قيل في معانيها، يُقرأ احتمالات قريبة من الصورة لا نتائج قاطعة.
تدل القدم في لغة الرموز على السعي والاتجاه والثبات والتقدم في الحياة، فهي التي تحمل الجسد وتحدد وجهته وخطوته. وقد تشير إلى العمل وطلب الرزق، وإلى السفر والانتقال، وإلى الثبات في الرأي والموقف، وإلى الاستعداد لمرحلة جديدة. وقد تشير كذلك إلى الأهل والأقارب ومن يستند إليهم الإنسان، لأن القدم سند الجسد. ويتعدد المعنى بحسب هيئتها وحالها في المنام، فالسليمة القوية غير المتعبة أو المضطربة. ولا يصح الجزم بوجه واحد لأن الصورة تحتمل أكثر من دلالة.
نُسب إلى ابن سيرين في كتب التعبير أن القدم ترمز إلى السعي في طلب الرزق وإلى ما يعتمد عليه الإنسان في معاشه، وأن سلامتها تدل على سلامة المسير. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن القدم قد تعبّر عن الأهل والأعوان والأبناء ومن يسند المرء في أمره. وقد اختلفت الآراء في تفاصيل ذلك اختلافًا ظاهرًا، ولا يوجد اتفاق تام بين أهل التعبير على كل صورة. كما أن الرموز الأقل شيوعًا، كالقدم التي تتحول أو تختفي أو تسير وحدها، أقل تناولًا في الكتب القديمة، فيتسع فيها باب الاجتهاد. ولهذا يؤخذ ما سبق للاستئناس لا للاعتماد.
يتغير المعنى بتغير السياق، فالقدم التي تمشي في طريق واضح مضاء غير القدم التي تتعثر في طريق وعر مظلم. ويؤثر المكان، فرؤيتها في البيت تتصل غالبًا بشؤون الأسرة، وفي العمل بالمعاش، وفي الطريق بالسعي والتنقل، وفي مكان مفتوح بالطموح والآمال. ويؤثر شعور الرائي، فالارتياح يميل بالمعنى إلى التيسير، والقلق يميل به إلى انشغال بأمر واقعي. وينبغي أيضًا النظر إلى ما شغل الرائي قبل النوم، فالأحلام كثيرًا ما تحمل بقايا اليوم. ومن هنا كان الجمع بين الصورة والحال أصدق من الاكتفاء بالصورة وحدها.
وبالنسبة للنساء، تختلف دلالة القدم بحسب الحال. فالعزباء قد تتصل القدم عندها بخطواتها في الدراسة والعمل والتخطيط للمستقبل، والمتزوجة بشؤون بيتها وأسرتها وتدبيرها، والحامل بمرحلة انتقالية مهمة وثقل المشي وراحة القدمين. والمطلقة والأرملة قد تتصل بها عندهما معاني الثبات وإعادة ترتيب الحياة والاعتماد على النفس والسند الأسري. وكل ذلك احتمال يُترك تقديره لصاحبة الرؤيا التي تعرف حالها. وليس في الرؤيا ما يخبر بجنس مولود أو موعد أو نتيجة.
وبالنسبة للرجال وسائر الأحوال، فللرجل قد تتصل القدم بعمله ومعاشه ومسؤولياته الأسرية، وللشاب ببدايات الطريق واختيار المسار، ولطالب العلم بخطواته الدراسية، وللتاجر بحركة السوق والتنقل، وللمسافر بالطريق والعودة. وللمريض قد تتصل بالرجاء في العافية وانتباهه إلى جسده، وللحزين والمهموم بتعب الخطى وحاجته إلى الراحة والسند، ولكبير السن بثباته وحرصه على حركته وبأثر مشوار العمر. ولا يصح أن تُبنى على الرؤيا قرارات مالية أو مصيرية كبيرة. والأحسن أن تكون القراءة هادئة واسعة الاحتمال.
وللتفاصيل الدقيقة أثر كبير في التعبير، كالحجم واللون والنظافة وما عليها من حذاء أو غبار أو طين. فالقدم الكبيرة جدًا قد توحي بسعة الخطى وكبر المسؤولية، والصغيرة جدًا ببدايات رقيقة تحتاج إلى رفق، وذات اللون الغريب بحال غير مألوفة. والقدم التي تتحول إلى جناح قد توحي بالطموح والتخفف، وإلى جذر بالرسوخ والانتماء، وإلى زهرة بالنماء والأثر الجميل. وآثار القدمين أمام الرائي قد توحي بالاقتداء، وخلفه بما يخلفه وراءه من أثر. ويفيد تدوين هذه التفاصيل فور الاستيقاظ حتى لا تضيع.
وللأفعال المتصلة بالقدم معان أخرى، فلمس القدم قد يدل على عناية بالمسار، ورفعها على استعداد لخطوة أو توقف مؤقت، والخوف من السقوط بسببها على قلق من فقدان الثبات. واختفاء القدم فجأة قد يعبّر عن توجس من انقطاع سند، وعودتها فجأة عن استعادة ثقة، وثباتها على الأرض عن رسوخ وطمأنينة. وسيرها وحدها قد يعبّر عن إحساس بأن الأمور تجري بسرعة خارج الإرادة. وتكرار رؤيتها قد يدل على انشغال الذهن بموضوع الخطوات والقرارات. ولا يلزم من أي من ذلك وقوع أمر في الواقع.
ومن الجانب النفسي والعملي، كثيرًا ما تعكس رؤية القدم انشغال الإنسان بمساره وقراراته وتعب جسده، فالعقل يعيد ترتيب الهموم في صور بسيطة. ويفيد الرائي أن ينظم وقته ونومه، وأن يقسم أهدافه إلى خطوات صغيرة، وأن يستشير أهل الخبرة، وأن يتكلم مع من يثق بهم عما يثقله. ويجب التأكيد أن الحلم ليس نصيحة طبية، فأي ألم أو تورم أو تنميل أو احمرار أو ضعف حقيقي في القدم يستدعي مراجعة الطبيب دون تأجيل، وكذلك في الحمل والمرض. ولا يصح ترك علاج أو متابعة اعتمادًا على تفسير رؤيا.
وفي الختام فإن ما ذُكر كله اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ، ولا ينبغي أن يُبنى عليه جزم أو قرار مصيري. والواجب حسن الظن بالله تعالى، فهو أرحم بعباده وأعلم بما يصلح لهم، وأقرب إليهم من كل تفسير. ويحسن الدعاء بالخير، فيقال: اللهم يسّر لكل ساع طريقًا صالحًا، واجعل خطاه في عافية وطمأنينة، وبارك في أهله وعمله ومسيره. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الرؤى إلا إشارات تُستقبل بهدوء وتوكل.
