من الرؤى المريحة أن يرى الإنسان جنازة في منامه ثم يتبعها مطر ينزل على المكان، فيتبدل الشعور من الثقل إلى شيء من الصفاء. والأصل أن الرؤيا رمزية وليست مشهدًا حرفيًا ينتظر الوقوع، فهي لا تدل على موت أحد ولا ترتبط بوفاة الرائي أو أحد من أقاربه. والمطر هنا لا يُفسَّر بشيء يتعلق بغير الرائي، وإنما يُقرأ بوصفه صورة لتجدد نفسه وتخففه. ولذلك فالأولى أن يستقبلها بهدوء وامتنان. ومن الخير أن يتأمل أي همّ في حياته بدأ يخف أو يغسله الزمن.
في رمزية الجنازة معنى النهايات والتحولات، فهي مشهد يتجمع فيه الناس ويتجهون نحو غاية واحدة، فتبدو رمزًا لإغلاق مرحلة قبل فتح أخرى. وحين يتبعها مطر فإن رمز النهاية يقترن برمز التجدد، وكأن الرؤيا تقول إن انقضاء أمر يترك مكانه لنمو جديد. والمطر في الرؤى يدل عمومًا على الخير والتجدد والسعة وغسل الهموم. فالجمع بين الصورتين يشير إلى انتقال من ثقل إلى تخفف عند الرائي. وكل ذلك يُذكر احتمالًا، دون جزم ولا تهويل.
ونُسب إلى ابن سيرين في أبواب قريبة من هذا الرمز أن الجموع والمواكب في المنام تُفسَّر بمعاني الاجتماع والانتقال من حال إلى حال، وأن المعنى يتبدل بحسب الهيئة وحال الرائي. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن المطر في المنام يرتبط في الجملة بمعاني الرزق والانفراج، وأن شدته ونفعه أو ضرره يغيران الدلالة. ويختلف المفسرون في هذا الباب، فلا قول واحد يصلح لكل رائي. والرموز المركبة الأقل شيوعًا، ومنها المطر المتبع للجنازة، أقل تناولًا في الكتب القديمة، فيبقى الاجتهاد فيها أوسع وأحوج إلى الحذر. فالأقوال المذكورة إشارات عامة لا نتائج قاطعة.
وسياق الرؤيا يغيّر المعنى، فالمطر الخفيف الهادئ غير المطر الغزير العنيف، والمطر الذي يُسعد الحاضرين غير الذي يفرقهم. وشعور الرائي أثناء الحلم قرينة مهمة، فمن شعر بالانتعاش غير من شعر بالضيق من البلل. وما يشغله في يقظته من أمور أوشكت على الانفراج أو انتظار جواب يترك أثره في صور النوم. ولذلك يحسن أن يسأل نفسه عن الهم الذي بدأ يتلاشى عنه. وبهذا يقترب التفسير من حاله لا من العموميات.
وفي قراءة هذه الصورة يُنظر إلى الجنازة بوصفها الجانب المنتهي الذي يودّعه الرائي، وإلى المطر بوصفه التجدد الذي يستقبله. فقد تدل الرؤيا عنده على بكاء مريح تعبّر به النفس عن حزن قديم ثم تهدأ، أو على صفاء بعد كدر، أو على بداية أخف. وقد تعبّر عن تفريغ داخلي كانت النفس تحتاج إليه. وهذا كله يخص الرائي ومشاعره، ولا يُستدل به على حال أحد ولا على شيء خارج نفسه. والأنفع أن يسمح لنفسه بالراحة والتعبير دون كبت.
وقد تحمل الرؤيا معنى الأنس والتقارب مع الأهل والأحبة، فالمطر يجمع الناس تحت سقف ويبعث الدفء في الجلسات. فقد تكون دعوة لطيفة إلى لقاء عائلي هادئ، أو مكالمة طويلة مع صديق، أو مصالحة تغسل ما بين القلوب. وللجلوس مع الأحبة في جو هادئ أثر في صفاء القلب. وإذا كان الرائي يحمل عتبًا قديمًا فقد يكون الوقت مناسبًا لتلطيفه. وكل ذلك تأمل في الأحوال لا جزم بما سيكون.
وللتفاصيل الدقيقة أثرها، فشدة المطر، وصفاء السماء، ورائحة الأرض، وهدوء الحاضرين، ووقت المشهد، قرائن تُنظر مجتمعة. فإن كان المطر هادئًا والسماء مضيئة فهو أقرب إلى معاني الانفراج والتجدد، وإن كان غزيرًا مضطربًا فقد يشير إلى مشاعر متدفقة تحتاج إلى تنظيم. وإن ظهرت وجوه مألوفة فالأقرب أن يتصل ذلك بعلاقة الرائي بها من أنس أو اشتياق، لا بشيء يخصها. ولا يصح أن يُبنى على تفصيل واحد نتيجة كبيرة. وإذا تكررت الرؤيا فقد تكون النفس تؤكد حاجتها إلى التجدد.
ومن الجانب العملي والنفسي، يفيد من رأى هذه الصورة أن يمنح نفسه فرصة للتعبير عن مشاعره بالكتابة أو الكلام، فالتعبير يغسل الثقل كما يغسل المطر الغبار. وأن يخرج إلى الهواء الطلق ويمشي في أجواء نقية. والنوم المنتظم والتغذية الجيدة تعين على استقرار المزاج. وإذا استمر الحزن أو القلق وأثّر في الحياة اليومية فالأفضل التواصل مع مختص أو أحد الأهل. وهذا التفسير ليس نصيحة طبية ولا نفسية متخصصة.
وفي الختام، المطر الذي يتبع الجنازة رمز يعكس تجدد الرائي وتخففه من ثقل، ولا يدل على سوء ولا على شيء يخص أحدًا غيره. وما سبق اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، وليس خبرًا يقينيًا عن الغد. ويحسن بالرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعوه بالفرج والطمأنينة له ولمن يحب. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا تُبنى على الرؤيا قرارات مصيرية. وتبقى مناسبة هادئة للشكر والتأمل وتجديد الأمل.
