رؤية المشيعين بثياب سوداء في المنام مشهد قاتم اللون قد يوحي بالثقل، لكن الألوان في الأحلام لغة رمزية لا تحمل إخبارًا. والأصل أن الرؤيا رمزية وليست حرفية، فهي لا تدل على وفاة أحد ولا على خبر مؤلم. اللون الأسود في الأحلام يرتبط عند كثير من الناس بالوقار والجدية والغموض والتأمل العميق. لذلك يميل المعنى إلى جدية المرحلة التي يفكر فيها الرائي وما تحمله من وقار. وما يلي اجتهاد في التأويل لا يقين فيه.
ترمز الجنازة إلى النهايات والتحولات وإغلاق مرحلة والتأمل في الحياة والوداع والانتباه لما يستحق الاهتمام. وظهور الحاضرين بثياب سوداء يضيف إلى المعنى طابع الجدية والاحتشام، أي أن الرائي ينظر إلى المرحلة بجد ولا يستخف بها. وقد يعبر عن حزن مكتوم أو تفكير عميق في أمر لم يُفصح عنه. وقد يعكس كذلك أن الرائي يرتبط في ذهنه بين اللون الداكن ومشاعر الفقد والقلق. وهذه كلها احتمالات تأويلية لا قطع فيها ولا تهويل.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب قريبة من هذا الباب أن دلالة الألوان تختلف باختلاف الأعراف والأحوال، وأن اللون الداكن قد يدل على الهيبة والوقار عند قوم وعلى الهم عند آخرين. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن اللون في الرؤيا يُؤول بحسب ما يألفه صاحبها وما يقترن به في بيئته. وتتباين آراء أهل التعبير في دلالة الألوان تباينًا واسعًا. والرموز الأقل شيوعًا، ومنها ثياب الحاضرين السوداء، أقل تناولًا في الكتب القديمة. فالأسلم أن تُؤخذ هذه الأقوال على سبيل الاستئناس.
الأهم في هذا الحلم شعور الرائي تجاه اللون. فإذا كان الأسود عنده لون ذوق ووقار، فقد يدل الحلم على جدية وتنظيم. وإذا كان يربطه بالحزن، فقد يعكس مشاعر ثقيلة يحتاج إلى التعبير عنها. وإذا كانت الثياب مرتبة منتظمة، فالمعنى أقرب إلى الوقار والاحترام. وإذا كانت مهترئة أو كثيفة الظل، فقد يشير إلى إرهاق نفسي.
إذا رأت الفتاة العزباء المشيعين بثياب سوداء، فقد يرتبط ذلك بجدية في قرار مهم أو بمرحلة تتطلب منها الوقار والتأني. وقد يعبر عن مشاعر مكتومة تحتاج إلى مشاركتها مع شخص قريب. ومن الحسن أن تهتم بما يدخل عليها السرور، كالألوان الهادئة الجميلة والأنشطة الممتعة. وليس في الحلم ما يدعو إلى القلق، فاللون مجرد رمز. وقد يكون دعوة إلى الاعتناء بمزاجها.
أما المتزوجة فقد يعكس الحلم جدية في تحمل أمر يخص أسرتها، أو إرهاقًا نفسيًا يحتاج إلى راحة وتخفيف. وبالنسبة إلى الرجل فقد يدل على وقار المسؤولية وثقلها في أمر عمله أو مشروعه، أو على تفكير جاد في موضوع يؤرقه. ولا علاقة لهذه الصورة بحال أحد من الأقارب. والأولى أن يخفف الرائي عن نفسه بما يدخل السرور على قلبه. فالألوان الفاتحة في اليقظة تعين على تلطيف الصورة القاتمة.
ومن التفاصيل الدقيقة: هل كان السواد على الجميع أم على بعضهم، وهل كان بين الحاضرين من يرتدي لونًا مختلفًا، وهل كان الضوء ساطعًا أم خافتًا. السواد على الجميع يعبر عن جدية عامة، وعلى البعض عن اختلاف في المواقف. واللون المختلف يشير إلى بارقة أمل أو رأي مغاير. والضوء الساطع يخفف الثقل، والخافت يزيده. ولا ينبغي تحميل شيء من ذلك معنى مخيفًا.
من الناحية النفسية، قد تظهر هذه المشاهد عند من يمر بفترة كآبة خفيفة أو إرهاق أو قلق من الفقد، أو يتأثر بما يراه من صور حزينة. ويفيد في ذلك الخروج في الضوء الطبيعي، والتواصل مع الأهل والأحبة، والاهتمام بالنوم والطعام. والحلم ليس نصيحة طبية أو نفسية متخصصة، فإذا استمر الحزن الشديد أو القلق من الفقد أو الأفكار المقلقة، فالأنسب الكلام مع مختص أو أحد الأهل. والتعبير عما في الصدر يخفف أثر الألوان القاتمة.
ومما يناسب بعد هذا الحلم أن يضيف الرائي إلى يومه لمسة لون هادئ، كزهرة على المكتب أو قطعة ملابس مريحة أو جلسة في مكان مضيء. وأن يقرأ أو يسمع ما يبعث على الارتياح من كلام طيب وموسيقى هادئة. فالأجواء تؤثر في النفس تأثيرًا لطيفًا. ويحسن أن يخطط لنشاط يحبه في الأسبوع لتكون لديه نقطة تطلع. وبذلك يخف أثر المشهد القاتم.
وخلاصة القول أن تفسير الرؤيا اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يُبنى عليه خوف ولا قرار. وحسن الظن بالله ينير القلب مهما اشتدت الألوان، ومن الدعاء أن يمنح الله الرائي الطمأنينة وحسن الحال. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما يراه النائم يظل رموزًا تحتمل أكثر من وجه. فليستقبل الرائي يومه بقلب مشرق.
