رؤية الابتعاد عن الجنازة في المنام مشهد فيه انسحاب من الموقف، وقد يتساءل الرائي هل في ابتعاده تقصير أو هروب. والأصل أن الرؤيا رمزية وليست حرفية، فهي لا تدل على وفاة أحد ولا على خبر مؤلم. الابتعاد في الأحلام يعبر عن الرغبة في أخذ مسافة والتحرر من ثقل أو ضغط. لذلك يميل المعنى إلى حاجة الرائي إلى فسحة نفسية بعيدًا عن موضوع يرهقه. وما يلي اجتهاد في التأويل لا يقين فيه.
ترمز الجنازة إلى النهايات والتحولات وإغلاق مرحلة والتأمل في الحياة والوداع والانتباه لما يستحق الاهتمام. والابتعاد عنها يعني أن الرائي يضع مسافة بينه وبين مرحلة تنتهي أو موضوع يثقل عليه. وقد يكون ذلك حاجة طبيعية إلى استراحة نفسية قبل مواجهة الأمر بقوة أكبر. وقد يعكس رغبة في تجاوز حزن قديم أو تخفيف الانشغال بالفقد والقلق. وهذه كلها احتمالات تأويلية لا قطع فيها ولا تهويل.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب قريبة من هذا الباب أن الابتعاد عن الشيء في الرؤيا قد يدل على الانصراف عنه أو التخلص من شأنه، وأن المعنى يتبع نوع الشيء المبتعد عنه. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن حركة الرائي في المنام تُحمل على موقفه من أموره بحسب الاتجاه والحال. وتختلف آراء أهل التعبير في ذلك اختلافًا ظاهرًا. والرموز الأقل شيوعًا، ومنها الابتعاد عن الجنازة، أقل تناولًا في الكتب القديمة. فالأسلم أن تُؤخذ هذه الأقوال على أنها مواضع استئناس لا يقين.
شعور الرائي أثناء الابتعاد يغير المعنى. فإذا كان مرتاحًا وهو يبتعد، فقد يدل ذلك على تحرر من هم كان يثقله. وإذا كان يشعر بالذنب أو التردد، فقد يعبر عن صراع بين الرغبة في الراحة والإحساس بالمسؤولية. وإذا كان يركض هاربًا، فقد يشير إلى قلق شديد من مواجهة أمر ما. وإذا كان يمشي بهدوء، فالمعنى أقرب إلى انتقال طبيعي إلى مرحلة أخرى.
إذا رأت الفتاة العزباء أنها تبتعد عن جنازة، فقد يرتبط ذلك برغبتها في ترك علاقة أو بيئة أو فكرة أتعبتها. وقد يعبر عن حاجتها إلى مسافة آمنة لإعادة ترتيب أولوياتها. ومن الحسن أن تتعامل مع هذه الرغبة بلطف دون جلد للذات. وليس في الحلم ما يدعو إلى القلق، فالابتعاد قد يكون نضجًا لا هروبًا. وقد تحتاج بعده إلى كلام هادئ مع شخص قريب.
أما المتزوجة فقد يعكس الحلم رغبتها في استراحة من ضغوط البيت أو العلاقات، وفي تخفيف حمل ثقيل عن كاهلها. وبالنسبة إلى الرجل فقد يدل على حاجته إلى مسافة عن عمل متعب أو التزامات متراكمة ليستعيد توازنه. ولا علاقة لهذه الصورة بحال أحد من الأقارب. والأولى أن يطلب الرائي مساعدة من حوله دون خجل. فالتخفف المنظم أنفع من الهروب المتعب.
ومن التفاصيل الدقيقة: هل كان الرائي يبتعد وحده أم مع غيره، وهل كان يلتفت إلى الوراء، وهل كان وجهه نحو مكان مضيء أم مظلم. الابتعاد مع آخرين يوحي بتخفف مشترك. والالتفات إلى الوراء يعبر عن تعلق أو حنين بعد. والوجه نحو مكان مضيء يعبر عن أمل، ونحو مظلم عن حيرة في ما سيأتي. ولا ينبغي تحميل شيء من ذلك معنى مخيفًا.
من الناحية النفسية، قد تظهر هذه المشاهد عند من يتعب من مشاعر الحزن أو يحتاج إلى حماية نفسه من أخبار مؤلمة أو يتجنب موضوعًا مؤلمًا في يقظته. ويفيد في ذلك أن يمنح نفسه الراحة دون لوم، وأن يتواصل مع الأهل والأحبة، وأن يهتم بنومه وطعامه ومشيه. والحلم ليس نصيحة طبية أو نفسية متخصصة، فإذا استمر الحزن الشديد أو القلق من الفقد أو الأفكار المقلقة، فالأنسب الكلام مع مختص أو أحد الأهل. وللنفس حق في الراحة كما لها حق في المواجهة.
ومما يناسب بعد هذا الحلم أن يتأمل الرائي ما يريد الابتعاد عنه فعلًا، أهو عادة أم علاقة مرهقة أم تفكير زائد. ثم يضع لنفسه حدودًا لطيفة تحميه، كتقليل ما يستهلك طاقته وتخصيص أوقات للراحة. ويحسن ألا يجعل الابتعاد قطيعة مع الأحبة، بل استراحة تعود بعدها الصلة أصفى. وهكذا يتحول الحلم إلى فرصة لرعاية النفس. ويبقى التوازن بين الراحة والمسؤولية سر الطمأنينة.
وخلاصة القول أن تفسير الرؤيا اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يُبنى عليه خوف ولا قرار. وحسن الظن بالله يمنح القلب راحة، ومن الدعاء أن يمنح الله الرائي الطمأنينة وحسن الحال ويخفف عنه ما يثقله. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما يراه النائم يظل رموزًا تحتمل أكثر من وجه. فليستقبل الرائي يومه بصدر منشرح.
