رؤية جنازة تعود إلى الوراء في المنام من الرؤى الغريبة التي تخالف المألوف، فيستيقظ الرائي وهو يتساءل عن معنى هذا الرجوع. والأصل أن الرؤيا رمزية وليست حرفية، فهي لا تدل على موت أحد ولا على مرض ولا على حادث، ولا تخبر عن حال أحد من الناس. والرجوع إلى الوراء في لغة الرموز يميل إلى معنى العودة إلى الماضي أو إلى أمر قديم لم يُغلق تمامًا بعد. ومن الحسن أن يتعامل الرائي مع المشهد بهدوء، وأن يتأمل ما في ذاكرته من أمور تستدعي المراجعة.
الجنازة في الرموز تعبّر عن النهايات والتحولات وإغلاق المراحل، وعن وقفة تأمل في الحياة وما يستحق الاهتمام منها. وفيها معنى الوداع لوضع قديم ومعنى التواصل مع الأهل والأحبة، وقد تعكس مشاعر القلق أو الفقد عند الرائي. فإذا عادت الجنازة إلى الوراء فكأن الذهن يعيد النظر في المرحلة التي أوشكت أن تنتهي، أو يرغب في العودة إلى ما كان مألوفًا. وقد يعبر ذلك عن حنين أو ندم أو رغبة في إصلاح ما فات، وذلك دون جزم أو تهويل.
نُسب إلى ابن سيرين في الجملة أن الرجوع في المنام قد يدل على العودة إلى أمر قديم أو إلى مكان أو حال سابقة بحسب حال الرائي، وأن الاتجاه في المسير يؤثر في معنى الرؤيا. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن اختلاف الاتجاه في الرؤى قد يشير إلى تغير الحال أو إلى مراجعة الأمر. غير أن آراء المفسرين اختلفت في التفاصيل، ولا يوجد قول ثابت متفق عليه في هذه الصورة المركبة. والرموز الأقل شيوعًا تكون أقل تناولًا في الكتب القديمة، فلا ينبغي التعلق بتفسير واحد أو الجزم به.
للسياق أثر كبير في الفهم، فإذا كان الرائي يفكر في علاقة قديمة أو عمل سابق أو بيت كان يسكنه فقد تعبر الرؤيا عن هذا الحنين. وإذا كان يمر بقرار جديد يخشى عواقبه فقد يعكس المشهد رغبته في الرجوع إلى الأمان المألوف. وإذا كان قد ترك أمرًا دون أن يتم فيه ما يريد فقد يرمز الرجوع إلى حاجته لإتمامه بهدوء. وسير المشهد بسلاسة يدل على تقبل، وتعثره يدل على صعوبة في ترك الماضي.
وفي حق العزباء، قد تشير الرؤيا إلى تفكير في مرحلة سابقة من الدراسة أو العمل أو العلاقات، ورغبة في مراجعتها قبل أن تخطو خطوة جديدة. وقد تعكس حنينها إلى أيام الطفولة والبيت القديم. وربما دلت على حاجتها إلى مصالحة نفسها مع ما مضى. وليس في الرؤيا ما يدل على سوء، فهي صورة رمزية لمشاعر تتحرك في الداخل.
وفي حق المتزوجة، قد تدل الرؤيا على انشغالها بذكريات قديمة مع أهلها أو في بداية حياتها الزوجية، أو على رغبتها في إحياء دفء قديم في العلاقات. وقد تعبر عن تردد في قرار يخص البيت أو الأبناء تود لو تراجعه. ومن المناسب أن تتحدث مع زوجها أو من تثق به عما يشغلها. ولا تتعلق الرؤيا بحال أحد من أفراد الأسرة، فهي رمز لما في داخلها.
وفي حق الرجل، قد ترمز الرؤيا إلى مشروع أو علاقة قديمة يود العودة إليها أو مراجعتها، أو إلى ندم على قرار سابق. وقد تعكس رغبته في استدراك ما فاته من حق أهله وأصدقائه. وربما كانت دعوة إلى التأني قبل المضي في خطوة جديدة. وكل ذلك تأويل عام يختلف باختلاف حال الرائي، ولا يُبنى عليه قرار مصيري.
وللتفاصيل الدقيقة أثرها، فيُنظر إلى المكان الذي عادت إليه الجنازة، وإلى ما إذا كان مألوفًا أم غريبًا، وإلى شعور الرائي أثناء الرجوع. وإذا كان المكان بيتًا قديمًا أو حيًا مألوفًا فالمعنى يميل إلى الحنين والذكريات. أما إذا كان الرجوع مضطربًا فقد يشير إلى تردد داخلي. وتبقى هذه الإشارات احتمالات لا يقين فيها.
ومن الجانب العملي والنفسي، يفيد الرائي أن يخصص وقتًا لمراجعة ما يثقل ذاكرته بكتابة أو بكلام مع شخص يثق به، وأن يتصالح مع ما مضى بقدر ما يستطيع. ويفيده كذلك أن يتواصل مع الأهل والأحبة وأن يهتم بنومه وراحته. وهذه الرؤيا ليست نصيحة طبية أو نفسية متخصصة، وإذا استمر الحزن الشديد أو القلق من الفقد أو ظهرت أفكار مقلقة فمن المناسب الكلام مع مختص أو مع أحد الأهل. والاهتمام بالصحة النفسية جزء من العناية بالنفس.
وفي الختام، فإن ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، ولا يغني عن حسن الظن بالله والتوكل عليه. ويُدعى الله أن يمنح الرائي راحة البال وأن يبارك في حاضره ومستقبله. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الرؤيا إلا رمز يدعو إلى التأمل لا إلى الخوف. فليطمئن الرائي وليمض في يومه مستبشرًا.
