الحزن بعد الجنازة في المنام من أكثر ما يبقى أثره في الرائي، فقد يستيقظ وفي قلبه غصة تستمر ساعات أو أيامًا. والأصل أن الرؤيا رمزية وليست مشهدًا حرفيًا ينتظر الوقوع، فهي لا تدل على موت أحد ولا ترتبط بوفاة الرائي أو أحد من أقاربه. والحزن الذي يعقبها في الغالب صدى لمشاعر تحملها النفس في اليقظة وتجد في المنام متنفسًا لها. ولذلك فالأولى أن يُنظر إلى هذا الحزن بوصفه رسالة تطلب الاحتواء لا إشارة إلى مكروه. ومن الخير أن يرفق الرائي بنفسه ويمنحها وقتًا للهدوء.
في رمزية الجنازة معنى النهايات والتحولات، فهي مشهد يتجمع فيه الناس ويتجهون نحو غاية واحدة، فتبدو رمزًا لإغلاق مرحلة قبل فتح أخرى. والحزن المصاحب قد يعني أن الرائي يودّع أمرًا كان عزيزًا عليه، كعلاقة أو مكان أو مرحلة أو حلم لم يتحقق. وقد يعبّر عن تأمل في الحياة وما يفوت الإنسان فيها وما يستحق أن يتمسك به. وقد يكون صدى لحزن قديم لم يأخذ حقه من التعبير فعاد في صورة مشهد مهيب. وكل ذلك يُذكر احتمالًا، دون جزم ولا تهويل.
ونُسب إلى ابن سيرين في أبواب قريبة من هذا الرمز أن الجموع والمواكب في المنام تُفسَّر بمعاني الاجتماع والانتقال من حال إلى حال، وأن المعنى يتبدل بحسب الهيئة وحال الرائي. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن هذه المشاهد ترتبط بتبدل الأحوال، وأن للتفاصيل اعتبارًا أكبر من العنوان العام. ويختلف المفسرون في هذا الباب، فلا قول واحد يصلح لكل رائي. والرموز المركبة الأقل شيوعًا، ومنها صورة الحزن المستمر بعد الاستيقاظ، أقل تناولًا في الكتب القديمة، فيبقى الاجتهاد فيها أوسع وأحوج إلى الحذر. فالأقوال المذكورة إشارات عامة لا نتائج قاطعة.
وسياق الرؤيا يغيّر المعنى، فالحزن الهادئ الذي يخف مع الصباح غير الحزن الثقيل الذي يلازم اليوم كله. وشعور الرائي أثناء الحلم وبعده قرينة مهمة، فمن بكى بكاءً أراحه غير من استيقظ مختنقًا. وما يشغله في يقظته من خسارات وخلافات وضغوط وانتظار يترك أثره في صور النوم ولونها. ولذلك يحسن أن يسأل نفسه بصدق عما يحزنه فعلًا هذه الأيام. وبهذا يقترب التفسير من حاله لا من العموميات.
ومن يشعر بالحزن بعد هذا المشهد قد يكون يحمل ثقلًا لم يجد من يشاركه إياه، أو يمر بمرحلة تغيير تحرك فيه مشاعر الوداع. فقد تدل الرؤيا عنده على حاجة إلى البكاء والتعبير والتفريغ، أو إلى طيّ صفحة آن أوان إغلاقها. وقد تعبّر عن رغبة في الراحة من أمر أتعبه طويلًا. وليس في الحزن ما يدل على أن سوءًا سيقع، فالحزن شعور والرؤيا لغة رمزية لا أكثر. والأنفع أن يعطي مشاعره حقها دون جلد للذات.
وقد تحمل الرؤيا معنى الحاجة إلى الأهل والأحبة، فالمشهد الذي يجتمع فيه الناس يذكّر بقيمة المؤانسة والسند. وكثيرًا ما يميل الحزين إلى العزلة، مع أن القرب من الناس يخفف ثقل الصدر. فقد تكون الرؤيا دعوة لطيفة إلى زيارة قريب أو اتصال بصديق أو جلسة هادئة تحت ضوء النهار. وللكلمات الطيبة من الأحبة أثر يعجز عنه الصمت الطويل. وكل ذلك تأمل في الأحوال لا جزم بما سيكون.
وللتفاصيل الدقيقة أثرها، فهدوء الحاضرين، والضوء، والمكان، ووقت المشهد، ودرجة الحزن، قرائن تُنظر مجتمعة. فإن كان المشهد ساكنًا مضيئًا فهو أقرب إلى معاني التحول الهادئ وانفراج النفس، وإن كان معتمًا ثقيلًا فقد يعكس ما يثقل الداخل. وإن عرف الرائي بعض الوجوه فالأقرب أن يتصل ذلك بعلاقته بهم من اشتياق أو عتاب مكتوم، لا بشيء يخصهم. ولا يصح أن يُبنى على تفصيل واحد نتيجة كبيرة. وإذا تكررت الرؤيا فقد تكون النفس تطلب مزيدًا من الاهتمام.
ومن الجانب العملي والنفسي، يفيد من أحزنته الرؤيا أن يكتب مشاعره، وأن يتحدث مع شخص يثق به، وأن يحافظ على نومه وطعامه وخروجه للهواء ولو قليلًا. ويمكنه أن يخصص بعض الوقت لعمل يحبه ويهدئه كالمشي أو الأعمال اليدوية أو القراءة الخفيفة. وإذا استمر الحزن الشديد أيامًا طويلة، أو أثّر في النوم والطعام والعمل، أو صاحبته أفكار مقلقة، فهذا يستحق الكلام مع مختص نفسي أو طبيب أو أحد الأهل دون تأجيل. فطلب العون ليس ضعفًا بل عناية بالنفس. وهذا التفسير ليس نصيحة طبية ولا نفسية متخصصة.
وفي الختام، الحزن بعد رؤية الجنازة رمز يعكس مشاعر الوداع والتعب، ولا يدل على سوء ولا على فقد أحد. وما سبق اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، وليس خبرًا يقينيًا عن الغد. ويحسن بالرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعوه بالفرج والطمأنينة والسكينة له ولمن يحب. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا تُبنى على الرؤيا مخاوف ولا قرارات. وتبقى مناسبة هادئة للرفق بالنفس وتقوية الصلة بالأحبة.
