من رأى في منامه أنه يستعير نظارة من غيره فقد رأى مشهدًا يرتبط في الرموز بالحاجة إلى منظور آخر أو إلى معونة مؤقتة في فهم أمر ما. وتختلف دلالته بحسب حال الرائي وما يشغله. والرؤيا رمزية في الغالب، وتأويلها اجتهاد يحتمل الصواب والخطأ. فلا ينبغي أن يجعلها الرائي سببًا لقلق أو لقرار حاسم، وإنما يتأملها بهدوء وحسن ظن بالجميع.
النظارة في الرموز تدل على وضوح الرؤية الذهنية والانتباه للتفاصيل وإعادة النظر في الأمور، واستعارتها تُقرأ على أنها استعانة برؤية الغير أو بأسلوبه في النظر. وقد تشير إلى حاجة الرائي إلى رأي من هو أخبر في أمر يشغله، أو إلى استعداد مؤقت لتجربة وجهة نظر مختلفة. وهي كذلك صورة تدل على التواضع في طلب العون. ولا يصح الجزم بأن في الاستعارة إشارة إلى أمر خفي أو إلى ما سيقع. وإنما هي تعبير ذهني عن رغبة في توسيع زاوية النظر.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب الرؤيا أن الاستعارة في المنام قد تدل على الحاجة إلى معونة أو سند في أمر ما بحسب المستعار. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن من استعان بما عند غيره عُبّر ذلك باحتياجه إلى مشورة أو مساندة. وقد يُقاس على ذلك استعارة النظارة بأنها استعانة بنظر غيره. وتختلف الآراء في هذا الباب، فمنهم من يقرؤه طلب مشورة، ومنهم من يقرؤه تجربة رأي آخر، ومنهم من يقرؤه حاجة مؤقتة. وليس في النظارة بالذات قول مجمع عليه.
يتغير المعنى بحسب السياق، فمن استعار نظارة وهو مرتاح فالأقرب أنه منفتح على رأي مختلف دون حرج. ومن استعارها وهو محرج فقد يعبّر عن صعوبة في طلب المساعدة. وإن ناسبته النظارة فقد يوحي ذلك بأن الرأي المعروض عليه مناسب له، وإن لم تناسبه فقد يشير إلى أن ما يُعرض عليه يحتاج إلى مراجعة قبل اعتماده. وللمكان أثره، فالاستعارة في البيت غير الاستعارة في العمل أو الطريق.
إذا كان الرائي طالبًا فقد يدل استعارته النظارة على حاجته إلى توضيح من معلم أو زميل في درس صعب. وقد يكون انعكاسًا لرغبته في الاستفادة من طريقة غيره في المذاكرة. وقد يرمز إلى استعداد لتجربة أسلوب جديد في المراجعة. وتبقى هذه القراءات تقديرية، والاجتهاد المنتظم هو الأصل في النجاح.
أما العامل أو صاحب المهنة فقد يدل استعارته النظارة في منامه على حاجة إلى استشارة زميل أو الاستعانة بخبرة غيره في مهمة محددة. وقد يعكس رغبته في تعلم أسلوب جديد في العمل. وللمتزوج قد تكون الرؤيا دعوة هادئة إلى الاستماع إلى رأي الطرف الآخر ومحاولة النظر بمنظوره. وقد تعبّر لرب الأسرة عن تقدير لمشورة أهله. ويبقى ذلك احتمالًا لا جزمًا.
وإن كانت الرائية امرأة فقد يُقرأ استعارة النظارة عندها على أنها طلب مشورة من قريبة أو صديقة في أمر يخصها. وقد يرتبط عند بعضهم بتجربة هيئة جديدة. وللمتقدم في السن قد يكون المشهد انعكاسًا لتجربة واقعية سابقة مع نظارة غيره، فلا يحمل رمزًا خاصًا. ولذا يُسأل الرائي أولًا عن علاقته بصاحب النظارة في واقعه وما إذا كان يتذكر موقفًا مماثلًا.
ومن التفاصيل صاحب النظارة، فإن كان قريبًا مألوفًا فقد يُقرأ على أنه ثقة بمشورة من يعرفه، وإن كان غريبًا فقد يُقرأ على أنه انفتاح على آراء جديدة. وقد يردها الرائي بعد استعمالها فيدل ذلك على أن الحاجة كانت مؤقتة، وقد يتردد في ردها فيدل ذلك على تعلق بفكرة جديدة. وقد يجد النظارة مريحة أو مزعجة فتتغير دلالتها بحسب ذلك. وليس لأي من هذه التفاصيل معنى ثابت عند جميع المعبرين، ولا يُنسب إلى صاحب النظارة تصرف محدد.
ومن الزاوية العملية والنفسية فإن هذه الرؤيا قد تكون صدى لحاجة الرائي إلى مشورة أو إلى إحساس بإجهاد في بصره. ولذلك يحسن بمن يشعر بتغير في وضوح نظره أن يراجع طبيب العيون لفحص دوري بدل الاعتماد على نظارة غيره، فالحلم ليس نصيحة طبية ولا يغني عن الفحص. ومن المفيد أخذ فترات راحة للبصر بعد القراءة الطويلة. كما يفيد التأمل قبل اعتماد أي رأي وتدوين ما يشغل البال ليتضح. فهذه الخطوات أنفع من الانشغال بتأويلات بعيدة.
هذا كله اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يبلغ درجة اليقين في شأن الرائي. وحسن الظن بالله هو الأصل، ومن رأى ما يسره فليحمد الله، ومن رأى ما يزعجه فليدعُ الله بالخير وليطمئن قلبه. ويُدعى الله أن يرزق الرائي صفاء الفكر وسلامة البصر وصلاح الحال. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا تُبنى على الرؤيا قرارات مصيرية. والله أعلم.
