من رأى في منامه أنه يغيّر عدسات نظارته فقد رأى مشهدًا يرتبط في الرموز بتجديد زاوية النظر ومراجعة طريقة الفهم. وتختلف دلالته بحسب حال الرائي وما يمر به من أمور. والرؤيا رمزية في الغالب، وتأويلها اجتهاد يحتمل الصواب والخطأ. فلا ينبغي أن يجعلها الرائي سببًا لقلق أو لقرار حاسم، وإنما يتخذها فرصة للتأمل في نظرته إلى ما حوله.
العدستان هما أداة الرؤية في النظارة، وتغييرهما يُقرأ في الرموز على أنه تبديل لوسيلة النظر، أي رغبة في رؤية الأمور بصورة مختلفة أو أوضح. وقد يشير إلى انتقال من رأي قديم إلى رأي أنضج، أو إلى مرحلة جديدة يحتاج فيها الإنسان إلى أدوات أنسب. وقد يدل كذلك على تهيؤ نفسي لتغيير في العادات أو الاهتمامات. ولا يصح الجزم بأن التغيير إشارة إلى أمر خفي أو إلى ما سيقع. وإنما هو تعبير ذهني عن حاجة إلى تجديد المنظور.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب الرؤيا أن تبديل الشيء بغيره قد يدل على تبدل الحال من حال إلى حال، وقد يُقاس على ذلك تغيير عدسات النظارة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن استبدال ما يساعد الإنسان على أمره بخير منه يعبّر عن تحسن في التدبير. وتختلف الآراء في هذا الباب، فمنهم من يقرؤه تجديدًا للرأي، ومنهم من يقرؤه تغيرًا في الاهتمامات، ومنهم من يقرؤه استعدادًا لمرحلة جديدة. وليس في النظارة بالذات قول مجمع عليه، فهو مجال اجتهاد.
يتغير المعنى بحسب السياق، فمن غيّر عدساته بارتياح ثم رأى ما حوله أوضح فالأقرب أن لديه رغبة في تحسين فهمه لأمر يشغله. ومن غيّرها بتردد أو بضيق فقد يعبّر عن قلق من تغيير يوشك أن يُقدم عليه. وإن غيّرها عند البصريات أو عند الطبيب فقد يرمز إلى حاجته إلى مشورة أهل الاختصاص في أمر ما. وللمكان والأشخاص الحاضرين أثرهم، فالتبديل في المحل غير التبديل في البيت.
إذا كان الرائي طالبًا فقد يدل تغييره العدسات على رغبة في تغيير أسلوب مذاكرته أو منهجه في التحصيل. وقد يكون انعكاسًا لتهيؤ لمرحلة دراسية جديدة أو لاختيار تخصص مختلف. وقد يرمز إلى حاجته إلى أن ينظر إلى مادته الدراسية من زاوية جديدة تبسطها له. وتبقى هذه القراءات تقديرية، والمذاكرة المنتظمة هي الأصل في النجاح.
أما العامل أو صاحب المهنة فقد يدل تغييره العدسات في المنام على رغبة في تطوير أدواته وأسلوبه في العمل، أو على استعداد لمهمة جديدة تتطلب نظرة مختلفة. وقد يعكس تفكيره في تغيير طريقة إدارة وقته أو ترتيب أولوياته. وللمتزوج قد تكون الرؤيا دعوة هادئة إلى مراجعة طريقة الحوار في البيت بنظرة أكثر تفهمًا. وقد تعبّر لرب الأسرة عن انتباه إلى متغيرات في احتياجات أهله. ويبقى ذلك احتمالًا لا جزمًا.
وإن كانت الرائية امرأة فقد يُقرأ تغيير العدسات عندها على أنه رغبة في تجديد نظرتها إلى أمر يخصها، أو استعداد لمرحلة جديدة في البيت أو الدراسة أو العمل. وقد يرتبط عند بعضهم بالرغبة في تغيير الهيئة والمظهر. وللمتقدم في السن قد يكون المشهد انعكاسًا لحاجة واقعية إلى تغيير العدسات بعد فحص النظر، فلا يحمل رمزًا خاصًا. ولذا يُسأل الرائي أولًا عن علاقته بنظارته وعن آخر فحص أجراه.
ومن التفاصيل نوع العدسات الجديدة، فإن كانت أصفى وأخف فقد تُقرأ على أنها رغبة في تخفيف ثقل التفكير، وإن كانت أثقل أو أغمق فقد تُقرأ على أنها حاجة إلى مزيد من التأني. وقد يكون التغيير سريعًا فيدل على سهولة في التحول، وقد يكون بطيئًا فيدل على حاجة إلى صبر. وقد يتفاجأ الرائي بأن العدسات الجديدة لا تناسبه فيُقرأ ذلك على أنه حاجة إلى التروي قبل اعتماد أي تغيير. وليس لأي من هذه التفاصيل معنى ثابت عند جميع المعبرين.
ومن الزاوية العملية والنفسية فإن هذه الرؤيا قد تكون صدى لانشغال الرائي بشأن نظره أو بقرب موعد فحص. ولذلك يحسن بمن يشعر بتغير في وضوح نظره أن يراجع طبيب العيون لفحص دوري، فالحلم ليس نصيحة طبية ولا يغني عن الفحص. ومن المفيد أن تُضبط العدسات بحسب نتيجة الفحص الفعلية وأن تؤخذ فترات راحة للبصر بعد القراءة الطويلة. كما يفيد التأمل قبل القرارات المهمة وتدوين الأفكار حتى تتضح. فهذه الخطوات أنفع من الانشغال بتأويلات بعيدة.
هذا كله اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يبلغ درجة اليقين في شأن الرائي. وحسن الظن بالله هو الأصل، ومن رأى ما يسره فليحمد الله، ومن رأى ما يزعجه فليدعُ الله بالخير وليطمئن قلبه. ويُدعى الله أن يرزق الرائي صفاء الفكر وسلامة البصر وصلاح الحال. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا تُبنى على الرؤيا قرارات مصيرية. والله أعلم.
