النظارة من الرموز المألوفة في الأحلام، وتتنوع معانيها بتنوع الرائي وسياق الحلم وتفاصيله، ولذلك تُعد قراءة جامعة لها نافعة. وهي في أصلها صورة رمزية تتكون مما يشغل النفس وما مر بها في يومها، ولا تُعد خبرًا جازمًا عن شيء. وهذه القراءة تجمع أشهر ما يُذكر في دلالاتها وتعرضه عرضًا هادئًا. وكل ما يرد فيها احتمالات عامة في التأويل تُعرض على حال الرائي ولا تغني عن تأمله.
النظارة في عالم الرموز أداة للوضوح وحسن النظر، ولذلك يربطها المعبرون في الغالب بصفاء الرؤية وحسن الفهم. وقد ترمز إلى إعادة النظر في أمر سبق تقديره، وإلى الانتباه للتفاصيل الصغيرة التي قد تغيب في زحمة الأيام. وقد تدل كذلك على الاحتراز والعناية بالنفس، لأن النظارة تصون النظر وتخفف عنه الجهد. وقد تشير إلى الهيئة والوقار في بعض الأحوال. ولا يصح الجزم بمعنى واحد، فالرمز يتسع لدلالات متعددة.
نُسب إلى ابن سيرين أن الأدوات التي يتقوى بها المرء في شأنه ترمز إلى ما يسنده ويقوّي أمره، وقد يُقاس عليها معنى النظارة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يوضع على الوجه من لباس وزينة يتصل بالهيئة والوقار بين الناس. ويختلف أهل التعبير في هذا الباب اختلافًا واسعًا، فبعضهم يرجح معنى البصيرة وبعضهم يرجح معنى الهيئة والمكانة وبعضهم يرجح معنى الاحتراز. ولذلك تؤخذ هذه الأقوال على أنها احتمالات تُقرأ بحذر وتُعرض على واقع الرائي، لا على أنها يقين.
ويؤثر سياق الحلم في المعنى تأثيرًا ظاهرًا، فالنظارة الصافية العدسات توحي بصفاء الذهن، والمغبرة أو المخدوشة قد توحي بحاجة إلى تصفية الفكر. ولبسها بارتياح قد يوحي باستعداد للنظر في الأمور بتأنٍّ، وخلعها قد يوحي برغبة في الراحة من كثرة التفكير، وفقدانها قد يوحي بانشغال الذهن بتفاصيل كثيرة. وشعور الرائي في الحلم من أهم ما يُنظر إليه، فالطمأنينة أقرب إلى معاني الوضوح، والانزعاج أقرب إلى معاني الانشغال. وهذه كلها قراءات رمزية تقريبية.
وللرائي نفسه أثر في الدلالة، فالطالب قد تعبر النظارة عنده عن رغبة في فهم أعمق، والتاجر قد تعبر عن رغبة في تدقيق حساباته، والمرأة في بيتها قد تعبر عن رغبة في ترتيب شؤون أسرتها بوضوح. وكبير السن قد تعبر عنده عن خبرة طويلة في النظر إلى الأمور، والشاب قد تعبر عن رغبة في توضيح أهدافه. وكل هذه معان عامة لا تخبر عن شيء محدد، بل تصف حالة ذهنية قد يمر بها الرائي. وتبقى الصلة بين الرمز وصاحبه هي الأصل في كل تأويل.
وللحالة التي ترد فيها النظارة أثر آخر، فنظارة جديدة قد توحي بتجديد طريقة النظر، وقديمة قد توحي بعادات تحتاج إلى مراجعة، وثقيلة قد توحي بكثرة التدقيق، وخفيفة قد توحي بسهولة النظر إلى الأمور. وظهورها فجأة قد يوحي بانتباه طارئ، واختفاؤها فجأة قد يوحي بانشغال وحيرة، وتكرارها قد يوحي بأن موضوع الوضوح حاضر في الذهن. وإذا أعقبتها راحة أو ابتسامة فقد يميل المعنى إلى انشراح بعد الاتضاح. ويبقى كل ذلك تقريبًا للمعنى لا قاعدة ثابتة.
وتفاصيل الحلم الصغيرة تضيف ظلالًا للمعنى، كلون الإطار وسُمك العدسات ومكان النظارة ومن يظهر في الحلم. فالإطار الهادئ قد يوحي بالسكينة، والزاهي قد يوحي بالنشاط، والإطار المكسور قد يوحي بضيق من ارتباك مؤقت. ومن يناول النظارة من المقربين قد يوحي بحاجة الرائي إلى مشورة، والمكان البيتي قد يتصل بشأن الأسرة، ومكان العمل قد يتصل بالمهام. وليس لأي تفصيل معنى ثابت، بل يلوّن المعنى العام بحسب حال الرائي.
ومن الجانب العملي، قد يكون الحلم تذكيرًا لطيفًا بالعناية بالنظر، فالفحص الدوري عند طبيب العيون من أنفع العادات لكل من يقرأ كثيرًا أو يطيل النظر في الشاشات. وإراحة البصر بين فترات العمل بالنظر إلى مكان بعيد، والإضاءة المناسبة، والنوم الكافي، أمور تخفف الإجهاد. وليس الحلم نصيحة طبية ولا تشخيصًا، ومن شعر باضطراب في نظره أو بصداع متكرر فعليه مراجعة المختص. والتأمل قبل القرارات الكبيرة، وكتابة الخيارات ومقارنتها بهدوء، يمنح الذهن وضوحًا يشبه ما ترمز إليه النظارة.
ومن الجانب النفسي، قد يكون الحلم صدى لانشغال الذهن بالفهم والتقدير، والنوم يعيد ترتيب الشواغل في صور رمزية. فإن استيقظ الرائي مرتاحًا فذلك يناسب معاني الصفاء، وإن استيقظ قلقًا فقد ينفعه أن يكتب ما يشغله ويتبادل الرأي مع من يثق به، وأن يتحدث مع مختص إن اشتد القلق أو أثر في نومه وعمله. ومشورة أهل الثقة وتنظيم الأولويات وإراحة النفس والبصر خطوات واقعية أنفع من تتبع الرموز. ولا ينبغي أن يتحول الحلم إلى سؤال متكرر يثقل الخاطر.
هذه الأقوال كلها اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، وليست علمًا قاطعًا بما سيكون. وعلى الرائي أن يحسن الظن بالله تعالى ويكثر من الدعاء بأن يجعل له في أمره خيرًا ووضوحًا وطمأنينة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُبنى على المنام قرار مصيري. والله أعلم بالصواب.
