قد يرى الرائي في منامه نظارة مخصصة للعمل أمام شاشة الحاسوب، فيجلس بها أمام جهازه في مشهد مألوف. والرؤيا رمزية في المقام الأول، وما فيها من صور يتأثر بما يشغل الرائي من أعمال ومهام. فلا تُفهم على أنها خبر قاطع عن أمر بعينه. وإنما هي إشارة قابلة للتأمل تتفاوت دلالتها بحسب حال الرائي. ولهذا يُذكر التفسير هنا على سبيل الاحتمال.
نظارة الحاسوب أداة ترتبط بساعات طويلة من العمل والمتابعة أمام الشاشة. ومن هنا قد ترمز في الحلم إلى الانشغال بالعمل والتواصل الرقمي وكثرة المعلومات. وقد تشير إلى حاجة الرائي إلى حماية ذهنه وبصره من الإجهاد المتواصل. وقد تعبّر أيضًا عن رغبة في ضبط علاقته بالشاشات بين العمل والراحة. وهذه دلالات عامة تحتاج إلى مقابلتها بواقع الرائي.
نُسب إلى ابن سيرين أن الأدوات التي يعمل بها الإنسان في المنام قد تدل على حرفته وما يشتغل به من أسباب بحسب هيئتها. وعلى هذا قد تُفهم نظارة الحاسوب على أنها إشارة إلى انشغال بالعمل وأسبابه. ويُذكر هذا النقل بحذر، لأن العبارات المنسوبة إلى المفسرين القدماء تتفاوت في ثبوتها بين الكتب، ولأن الحاسوب نفسه لم يكن معروفًا في زمنهم. ولذلك يؤخذ منه المعنى العام فقط. ويبقى لحال الرائي وزنه الأكبر.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن أدوات الصنعة والعمل في المنام قد تدل على سعي في الرزق أو انشغال بالأسباب بحسب هيئتها. وتبعًا لذلك قد ترمز نظارة الحاسوب إلى مرحلة عمل مكثف أو دراسة أمام الشاشات. غير أن آراء المفسرين تختلف، فبعضهم يربط أدوات العمل بالسعي والجد، وبعضهم يربطها بالإرهاق والانشغال، وبعضهم يتوقف عند حال الرائي. وهذا الاختلاف يعني أن الدلالات احتمالات متعددة. والأسلم أن يُنظر إلى المشهد كله.
وللسياق أثر كبير في المعنى. فإذا كان الرائي يعمل بنظارته بارتياح وتركيز، فقد يعبّر ذلك عن إتقان وانسجام مع مهامه. وإذا كان يشعر بثقلها أو بضيق في المشهد، فقد يدل على إرهاق من كثرة العمل أمام الشاشات. وإذا كان يخلعها ليستريح، فقد يُفهم ذلك على أنه يحتاج إلى فواصل راحة. وإذا كانت الشاشة أمامه مليئة بنوافذ كثيرة، فقد يتصل المعنى بتشتت الانتباه بين مهام متزاحمة.
أما الطالب فقد تعبّر نظارة الحاسوب في منامه عن دراسة عبر الإنترنت أو كتابة بحث أو مشروع أمام الشاشة. وقد تكون دعوة إلى تنظيم وقت الدراسة وفواصل الراحة. وأما الموظف فقد تشير إلى عمل مكتبي مكثف أو إلى رغبة في تنظيم مهامه الرقمية. وقد تدل عند من يعمل عن بعد على حاجته إلى فصل وقت العمل عن وقت الراحة. وهي قراءات نفسية ظنية لا غير.
وقد ترى المرأة نظارة الحاسوب فتعبّر عندها عن عمل أو دراسة أو متابعة أمور أسرية عبر الأجهزة. وإذا رآها رجل متزوج، فقد تدل على انشغاله بعمله أمام الشاشة وحاجته إلى توزيع وقته بين العمل والأسرة. وقد يراها الشاب عند الإفراط في استخدام الأجهزة، فتدعوه إلى الاعتدال. وإذا رآها كبير في السن، فقد تعبّر عن محاولة تعلم أدوات جديدة. وهذه كلها احتمالات ظنية.
ومن التفاصيل المفيدة طبيعة ما يظهر على الشاشة، أهو عمل أم دراسة أم ترفيه. فالعمل قد يتصل بالمسؤوليات، والدراسة بالتحصيل، والترفيه برغبة في الاستراحة. وكذلك عدد الساعات التي يشعر الرائي في الحلم أنه قضاها أمام الجهاز، وإحساسه عند نهايتها. وقد يضيف المكان معنى، كأن يكون المكتب أو البيت أو مكان عام. ويُجمع ذلك كله مع واقع الرائي دون جزم.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد يكون الحلم تذكيرًا لطيفًا بأهمية فواصل الراحة أثناء العمل على الشاشات. ويحسن بمن يستخدم نظارة للحاسوب أن يفحص نظره دوريًا عند طبيب العيون، وأن ينظر إلى بعيد بين حين وآخر ويرمش بانتظام، وأن يضبط إضاءة المكان وبعد الشاشة بما يريحه. والحلم ليس نصيحة طبية، ومن يعاني اضطرابًا في النظر أو صداعًا مستمرًا فالأولى أن يراجع المختص دون تأخير. ويفيد الرائي أن يتأمل قبل القرارات الكبيرة وأن يخصص أوقاتًا بعيدة عن الأجهزة. وإذا ترافق ذلك مع قسط كافٍ من النوم والراحة، صار الذهن أقدر على الترتيب والتمييز.
هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ، ولا يصح أن يُعامل كأنه خبر يقيني. وخير ما يفعله الرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعو بالخير والتوفيق في أموره. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُبنى على الحلم قرار مصيري. اللهم اجعل ما رآه الرائي خيرًا وبارك له في عمله ووقته.
