من رأى في منامه أن نظارته سقطت منه فقد رأى مشهدًا يرتبط في الرموز بالتعجل أو بانشغال الذهن، ويدعو إلى مزيد من التأني والانتباه. وتختلف دلالته بحسب حال الرائي وما يشغله. والرؤيا رمزية في الغالب، وتأويلها اجتهاد يحتمل الصواب والخطأ. فلا ينبغي أن يجعلها الرائي سببًا لقلق أو لقرار حاسم، وإنما يتأملها بهدوء وحسن ظن.
النظارة في الرموز تدل على وضوح الرؤية الذهنية والانتباه للتفاصيل وإعادة النظر في الأمور، وسقوطها يُقرأ على أنه انفلات لهذا الانتباه لوقت قصير، أي تعجل أو انشغال أفلت معه تفصيل. وقد يشير إلى شعور بفقدان السيطرة على أمر صغير أو إلى حاجة إلى إبطاء الخطى. وقد يعبّر كذلك عن رغبة في التحرر من التدقيق الزائد. ولا يصح الجزم بأن في السقوط إشارة إلى أمر خفي أو إلى ما سيقع. وإنما هو تعبير ذهني عن حاجة إلى التأني.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب الرؤيا أن سقوط ما يحمله المرء قد يدل على غفلة أو تعجل في أمر، وقد يُقاس على ذلك سقوط النظارة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن انفلات ما في اليد قد يعبّر عن حاجة إلى ضبط الأمور وإتقان تدبيرها. وتختلف الآراء في هذا الباب، فمنهم من يقرؤه تعجلًا، ومنهم من يقرؤه انشغالًا، ومنهم من يقرؤه تحررًا من قيد. وليس في النظارة بالذات قول مجمع عليه.
يتغير المعنى بحسب السياق، فمن سقطت نظارته فالتقطها بسرعة وهدوء فالأقرب أنه قادر على تدارك أموره. ومن سقطت فارتبك فقد يعبّر عن قلق من تفصيل صغير. وإن سقطت على أرض ناعمة فقد يوحي ذلك بسلاسة التدارك، وإن سقطت على أرض صلبة فقد يوحي بأن الأمر يحتاج إلى مزيد من العناية. وللمكان أثره، فالسقوط في الطريق غير السقوط في البيت أو العمل.
إذا كان الرائي طالبًا فقد يدل سقوط نظارته على تعجل في المراجعة أو انشغال أفلت معه جزء من المادة. وقد يكون انعكاسًا لخوف من فوات شيء في الاختبار. وقد يرمز إلى حاجته إلى إبطاء وتيرة المذاكرة وتثبيت ما حفظه. وتبقى هذه القراءات تقديرية، والمذاكرة المنتظمة هي الأصل في النجاح.
أما العامل أو صاحب المهنة فقد يدل سقوط نظارته في منامه على استعجال في إنجاز مهمة أو انشغال أفلت معه تفصيل. وقد يعكس رغبته في ضبط وقته وترتيب أدواته. وللمتزوج قد تكون الرؤيا دعوة هادئة إلى التمهل في الحوار وحسن الإصغاء. وقد تعبّر لرب الأسرة عن انشغال بكثرة ما يحمله من مسؤوليات. ويبقى ذلك احتمالًا لا جزمًا.
وإن كانت الرائية امرأة فقد يُقرأ سقوط النظارة عندها على أنه تعجل في أمر يخصها أو انشغال بتفاصيل كثيرة، وحاجة إلى التمهل. وقد يرتبط عند بعضهم برغبة في التخفف من كثرة التدقيق. وللمتقدم في السن قد يكون المشهد انعكاسًا لتجربة واقعية في سقوط النظارة أحيانًا، فلا يحمل رمزًا خاصًا. ولذا يُسأل الرائي أولًا عن علاقته بنظارته في واقعه وعن مواقف مماثلة.
ومن التفاصيل مكان السقوط وحال النظارة بعده، فإن بقيت سليمة فقد يوحي ذلك بأن الأمر يسير الاستدراك، وإن تعرضت لخدش فقد يوحي بحاجة إلى عناية. وقد يلتقطها الرائي بنفسه فيُقرأ على أنه مبادرة، وقد يلتقطها غيره فيُقرأ على أنه معونة من أحد. وقد تسقط من مكان مرتفع فيُقرأ ذلك على أنه انتقال من حال علوّ في التفكير إلى حال أبسط. وليس لأي من هذه التفاصيل معنى ثابت عند جميع المعبرين، وشعور الرائي في الحلم أدل على المقصود. ولذلك يحسن أن يقارن الرائي الصورة بما يمر به من أحوال ثم يأخذ منها ما يناسبه فقط دون تكلف أو تهويل.
ومن الزاوية العملية والنفسية فإن هذه الرؤيا قد تكون صدى لتعجل الرائي في يومه أو لانشغاله بأكثر من أمر. ولذلك يحسن بمن يشعر بتغير في وضوح نظره أن يراجع طبيب العيون لفحص دوري، فالحلم ليس نصيحة طبية ولا يغني عن الفحص. ومن المفيد استعمال سلسلة أو علبة للنظارة وأخذ فترات راحة للبصر بعد القراءة الطويلة. كما يفيد التأمل قبل القرارات المهمة وتدوين المهام ليخف الازدحام الذهني. فهذه الخطوات أنفع من الانشغال بتأويلات بعيدة.
هذا كله اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يبلغ درجة اليقين في شأن الرائي. وحسن الظن بالله هو الأصل، ومن رأى ما يسره فليحمد الله، ومن رأى ما يزعجه فليدعُ الله بالخير وليطمئن قلبه. ويُدعى الله أن يرزق الرائي صفاء الفكر وسلامة البصر وصلاح الحال. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا تُبنى على الرؤيا قرارات مصيرية. والله أعلم.
