قد يرى الرائي في منامه نظارات لأصدقائه، أو نظارة واحدة يتبادلها معهم، فيتساءل عن معنى ذلك. والرؤيا رمزية في المقام الأول، وما فيها من صور يتأثر بما يحمله الرائي من علاقات وتجارب. فلا تُفهم على أنها خبر قاطع عن أمر بعينه ولا عن شخص بعينه. وإنما هي إشارة قابلة للتأمل تتفاوت دلالتها من شخص إلى آخر. ولهذا يُذكر ما يلي على سبيل الاحتمال.
الأصدقاء في الرؤى يرتبطون عادة بالمودة والتشاور والتجارب المشتركة. ونظاراتهم قد ترمز في الحلم إلى نظرتهم إلى الأمور وإلى آرائهم التي تؤثر في الرائي. وقد تشير إلى رغبته في أن يرى الأمور بعيونهم أحيانًا، أو في أن يقارن رأيه بآرائهم. وقد تعبّر أيضًا عن شعور بالانتماء إلى جماعة تتقاسم الاهتمامات. وهذه دلالات عامة تحتاج إلى مقابلتها بواقع الرائي.
نُسب إلى ابن سيرين أن الأصدقاء في المنام قد يدلون على أنس وعون وتشاور بحسب هيئتهم وحال رائيهم. وعلى هذا قد تُفهم نظارات الأصدقاء على أنها إشارة إلى تبادل رأي وتشاور في أمر مشترك. ويُذكر هذا النقل بحذر، لأن العبارات المنسوبة إلى المفسرين القدماء تتفاوت في ثبوتها بين الكتب. ولذلك يؤخذ منه المعنى العام فقط. ولا يُبنى على الحلم أي اتهام لأحد منهم.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يتصل بالرفقة في المنام قد يدل على مودة ومشاركة في الأحوال بحسب هيئته. وتبعًا لذلك قد ترمز نظارة الأصدقاء إلى تبادل في الرأي والخبرة بين الرائي وأصحابه. غير أن آراء المفسرين تختلف، فبعضهم يربط الرفقة بالأنس والعون، وبعضهم يربطها بالتأثر بالآخرين، وبعضهم يتوقف عند حال الرائي وعلاقته بأصحابه. وهذا الاختلاف يعني أن الدلالات احتمالات متعددة. والأسلم أن يُنظر إلى المشهد كله.
وللسياق أثر كبير في المعنى. فإذا كان الأصدقاء يتبادلون النظارة ضاحكين، فقد يعبّر ذلك عن مودة وتقارب في النظرة. وإذا كان الرائي يجرب نظارة صديقه فلا تناسبه، فقد يدل المشهد على أن رأي غيره لا يصلح له كما هو. وإذا كان يرى بنظارة صديقه بوضوح، فقد يتصل المعنى بانتفاعه من رأيه. وإذا كانت نظاراتهم مجتمعة على طاولة، فقد يُفهم ذلك على أنه استحضار لجلسة أصدقاء.
أما الطالب فقد تعبّر نظارة الأصدقاء في منامه عن مذاكرة جماعية أو تبادل ملخصات ودروس. وقد تكون صدى لجلسة دراسة مع زملائه. وأما الموظف فقد تشير إلى عمل جماعي وتبادل رأي مع الزملاء، أو إلى رغبة في سماع وجهات نظر متعددة. وقد تدل عند من يبدأ مشروعًا مشتركًا على أهمية التشاور. وهي قراءات نفسية ظنية لا غير.
وقد ترى المرأة نظارة صديقاتها فتعبّر عندها عن ود وتبادل أخبار وتجارب، أو عن حاجة إلى رأي قريب. وإذا رآها رجل متزوج، فقد تدل على رغبته في مشاورة أصدقاء يثق بهم في بعض شؤونه مع حفظ خصوصية أسرته. وقد يراها الشاب عند تكوين صداقات جديدة، فتعبّر عن رغبته في الانتماء. وإذا رآها كبير في السن، فقد تذكّره بأصدقاء قدماء وبأيام مشتركة. وهذه كلها احتمالات ظنية.
ومن التفاصيل المفيدة عدد النظارات وأشكالها وكيفية تبادلها. فالنظارات المتشابهة قد توحي بتقارب في الاهتمامات، والمتنوعة بتنوع الآراء. وكذلك مكان اللقاء، فإن كان في مقهى فقد يتصل المعنى بالأنس، وإن كان في مكان عمل فقد يتصل بالتشاور. وقد يضيف شعور الرائي دلالة، أهو ارتياح أم حرج. ويُجمع ذلك كله مع واقع الرائي دون جزم.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد يكون الحلم دعوة إلى الجمع بين الاستشارة والاستقلال في الرأي، فلا يُهمل رأي الأصدقاء ولا يُسلَّم له دون تأمل. ويحسن بمن يستخدم نظارة أن يفحص نظره دوريًا عند طبيب العيون، وأن يمنح بصره فترات راحة بعيدًا عن الشاشات. والحلم ليس نصيحة طبية، ومن يعاني اضطرابًا في النظر أو صداعًا مستمرًا فالأولى أن يراجع المختص دون تأخير. ويفيد الرائي أن يتأمل قبل القرارات الكبيرة وأن يصغي إلى أكثر من رأي. وإذا ترافق ذلك مع قسط كافٍ من النوم والراحة، صار الذهن أقدر على الترتيب والتمييز.
هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ، ولا يصح أن يُعامل كأنه خبر يقيني. وخير ما يفعله الرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعو لأصدقائه بالخير والتوفيق. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُبنى على الحلم قرار مصيري. اللهم اجعل ما رآه الرائي خيرًا وبارك له في صحبته وعمله.
