من رأى في منامه أنه يهدي نظارة إلى شخص فقد رأى مشهدًا يرتبط في الرموز بالعناية بالآخرين والرغبة في إعانتهم على رؤية الأمور بوضوح. وتختلف دلالته بحسب هوية المُهدى إليه وحال الرائي. والرؤيا رمزية في الغالب، وتأويلها اجتهاد يحتمل الصواب والخطأ. فلا ينبغي أن يجعلها الرائي سببًا لقلق أو لقرار حاسم، وإنما يتأملها بهدوء وحسن ظن.
النظارة في الرموز تدل على وضوح الرؤية الذهنية والانتباه للتفاصيل وإعادة النظر في الأمور، وإهداؤها يُقرأ على أنه رغبة في نقل هذا الوضوح إلى غيره. وقد يشير إلى نصيحة صادقة يريد الرائي أن يقدمها، أو إلى اهتمام بشخص يرى أنه بحاجة إلى مساندة في فهم أمر ما. وهو كذلك فعل مودة، فالهدية تعبير عن التقدير والاهتمام. ولا يصح الجزم بأن في الإهداء إشارة إلى أمر خفي أو إلى ما سيقع. وإنما هو تعبير ذهني عن رغبة في العطاء والإعانة.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب الرؤيا أن الهدية في المنام قد تدل على المودة وتأليف القلوب وحسن الصلة بين الناس. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن من أعطى غيره ما ينتفع به عُبّر ذلك بالنفع المتبادل وحسن المعاملة. وقد يُقاس على ذلك إهداء النظارة بأنه عناية بزاوية نظر الآخر وفهمه. وتختلف الآراء في هذا الباب، فمنهم من يقرؤه مودة، ومنهم من يقرؤه نصحًا، ومنهم من يقرؤه سعيًا في الإصلاح. وليس في النظارة بالذات قول مجمع عليه.
يتغير المعنى بحسب السياق، فمن أهدى النظارة وهو فرح مطمئن فالأقرب أن لديه رغبة صافية في إفادة غيره. ومن أهداها وهو متردد فقد يعبّر عن تفكير في طريقة تقديم نصيحة دون إحراج. وإن قبلها الطرف الآخر مسرورًا فقد يوحي بتفاهم جيد، وإن ترددت في قبولها فقد يشير إلى حاجة إلى مزيد من الرفق في الحوار. وللمكان أثره، فالإهداء في البيت غير الإهداء في مجلس عام أو في العمل.
إذا كان الرائي طالبًا فقد يدل إهداؤه النظارة إلى زميل على رغبة في مساعدة غيره في فهم دروسه أو التعاون معه في المراجعة. وقد يكون انعكاسًا لحبه لمشاركة ما تعلمه. وقد يرمز إلى رغبته في الإسهام في نجاح جماعة يدرس معها. وتبقى هذه القراءات تقديرية، والاجتهاد المنتظم هو الأصل في النجاح.
أما العامل أو صاحب المهنة فقد يدل إهداؤه النظارة في منامه إلى زميل على رغبة في توضيح أمر عمل له أو تقديم دعم في مهمة. وقد يعكس اهتمامه بتنمية الفريق أو إرشاد من هو أقل خبرة. وللمتزوج قد تكون الرؤيا دعوة هادئة إلى عناية أكبر بفهم الطرف الآخر وحسن الإصغاء له. وقد تعبّر لرب الأسرة عن رغبة في إعانة أبنائه على رؤية الأمور بوضوح. ويبقى ذلك احتمالًا لا جزمًا.
وإن كانت الرائية امرأة فقد يُقرأ إهداء النظارة عندها على أنه عناية بمن حولها واهتمام بإيضاح أمر لقريب أو قريبة. وقد يرتبط عند بعضهم بالرغبة في الاعتناء بمن يحتاج إلى مساندة. وللمتقدم في السن قد يكون المشهد انعكاسًا لعادة العطاء مع الأبناء والأحفاد، فلا يحمل رمزًا خاصًا. ولذا يُسأل الرائي أولًا عن علاقته بمن أهداه النظارة في واقعه.
ومن التفاصيل هوية المُهدى إليه، فإن كان قريبًا فقد يُقرأ على أنه صلة ومودة، وإن كان غريبًا فقد يُقرأ على أنه رغبة في الإحسان إلى الآخرين عمومًا. وقد تكون النظارة مغلفة بعناية فيوحي ذلك بالاهتمام بحسن التقديم، وقد تكون بغير تغليف فيوحي بالبساطة. وقد يهديها لشخص يلبس نظارة أصلًا فيُقرأ ذلك على أنه رغبة في مساندته فيما اعتاده. وليس لأي من هذه التفاصيل معنى ثابت عند جميع المعبرين، فشعور الرائي في الحلم أدل على المقصود.
ومن الزاوية العملية والنفسية فإن هذه الرؤيا قد تكون صدى لتفكير الرائي في شخص يعتز به أو في مناسبة قادمة. ولذلك يحسن بمن يفكر في مساعدة قريب أن يسأله بلطف عن حاجته الفعلية، وأن يشجعه على زيارة طبيب العيون لفحص دوري، فالحلم ليس نصيحة طبية ولا يغني عن الفحص. ومن المفيد أخذ فترات راحة للبصر بعد القراءة الطويلة. كما يفيد التأمل قبل تقديم النصح للآخرين، فالكلمة الهادئة تصل أسرع. فهذه الخطوات أنفع من الانشغال بتأويلات بعيدة.
هذا كله اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يبلغ درجة اليقين في شأن الرائي. وحسن الظن بالله هو الأصل، ومن رأى ما يسره فليحمد الله، ومن رأى ما يزعجه فليدعُ الله بالخير وليطمئن قلبه. ويُدعى الله أن يرزق الرائي صفاء الفكر وسلامة البصر وصلاح الحال. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا تُبنى على الرؤيا قرارات مصيرية. والله أعلم.
