قد يرى الرائي في منامه نظارة تخص جده، فيشعر بحنين أو بألفة تجاه ذكرى قديمة. والرؤيا رمزية في المقام الأول، وما فيها من صور يتأثر بما يحمله الرائي من ذكريات وعلاقات. ولا يُراد بالتفسير الجزم بحال شخص بعينه، فهو يتناول الرمز في حدود الذكرى والعلاقة فقط. وإنما هي إشارة قابلة للتأمل تتفاوت دلالتها من شخص إلى آخر. ولهذا يُذكر ما يلي على سبيل الاحتمال.
الجد في الرؤى يرتبط عادة بالأصل والخبرة وحكاية الأسرة. ونظارته قد ترمز في الحلم إلى نظرته الهادئة إلى الأمور وما عُرف عنه من رأي ومشورة. وقد تشير إلى رغبة الرائي في الاستفادة من خبرة الأجيال السابقة في أسرته. وقد تعبّر أيضًا عن شوق إلى جلسات هادئة وأحاديث دافئة في ذاكرته. وهذه دلالات عامة تحتاج إلى مقابلتها بواقع الرائي وعلاقته بجده.
نُسب إلى ابن سيرين أن الأقارب وما يخصهم في المنام قد يدل على صلة بهم أو أثر لهم في حياة الرائي بحسب هيئة المشهد. وعلى هذا قد تُفهم نظارة الجد على أنها إشارة إلى صلة بالأصل وخبرة تتناقلها الأسرة. ويُذكر هذا النقل بحذر، لأن العبارات المنسوبة إلى المفسرين القدماء تتفاوت في ثبوتها بين الكتب. ولذلك يؤخذ منه المعنى العام فقط. ولا يُبنى على الحلم أي افتراض عن حال الجد.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يتصل بكبار الأسرة في المنام قد يدل على مشورة أو بركة في الصلة بحسب هيئته. وتبعًا لذلك قد ترمز نظارة الجد إلى نصيحة قديمة أو تجربة قد يستفيد منها الرائي اليوم. غير أن آراء المفسرين تختلف، فبعضهم يربط كبار الأسرة بالأصل والجذور، وبعضهم يربطهم بالمشورة، وبعضهم يتوقف عند حال الرائي وعلاقته بهم. وهذا الاختلاف يعني أن الدلالات احتمالات متعددة. والأسلم أن يُنظر إلى المشهد كله.
وللسياق أثر كبير في المعنى. فإذا كان الرائي يجد نظارة جده في مكان مألوف فيطمئن، فقد يعبّر ذلك عن ارتياح لذكرى طيبة. وإذا كان يرتديها ليرى بها، فقد يدل المشهد على رغبته في النظر إلى أمر بعين الخبرة. وإذا كان يبحث عنها ولا يجدها، فقد يتصل المعنى بشوق إلى مشورة أو سند. وإذا كانت بين يدي الجد نفسه في المشهد، فقد يُفهم ذلك على أنه صورة ذهنية مرتبطة بعلاقة المودة.
أما الطالب فقد تعبّر نظارة الجد في منامه عن حاجته إلى توجيه من ذوي الخبرة في دراسته، أو عن اعتزاز بقصص أسرته. وقد تكون صدى لتشجيع تلقاه من كبار أسرته. وأما الموظف فقد تشير إلى حاجته إلى مشورة من أصحاب التجربة في عمله، أو إلى تقدير لقيم تعلمها من أسرته. وقد تدل عند من يفكر في قرار مهم على رغبته في الاستئناس برأي أكبر منه. وهي قراءات نفسية ظنية لا غير.
وقد ترى المرأة نظارة الجد فتعبّر عندها عن حنين إلى جلسات الأسرة وحكاياتها القديمة، أو عن رغبة في الحفاظ على تقاليد طيبة. وإذا رآها رجل متزوج، فقد تدل على رغبته في نقل قيم أسرته إلى أبنائه. وقد يراها الشاب عند مفترق بين خيارات، فتعبّر عن حاجته إلى مشورة أهل التجربة. وإذا رآها كبير في السن، فقد تذكّره بأيام قضاها مع جده وبما تعلمه منه. وهذه كلها احتمالات ظنية.
ومن التفاصيل المفيدة حال النظارة في المنام وموضعها. فالنظارة القديمة المحفوظة بعناية قد تتصل بالوفاء للذكرى، والمتروكة قد تتصل بأمر مهمل يحتاج إلى التفات. وكذلك المكان، فإن كانت في بيت العائلة فقد يتصل المعنى بالأصل، وإن كانت في مكان آخر فقد يتصل بانتقال الخبرة. وقد يضيف شعور الرائي عند رؤيتها دلالة. ويُجمع ذلك كله مع واقع الرائي دون جزم.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد يكون الحلم دعوة إلى الاستئناس بخبرة كبار الأسرة وجمع حكاياتهم قبل أن تُنسى. ويحسن بمن يستخدم نظارة أن يفحص نظره دوريًا عند طبيب العيون، وأن يمنح بصره فترات راحة بعيدًا عن الشاشات، وأن يسأل عن تاريخ أسرته الصحي في النظر عند الفحص. والحلم ليس نصيحة طبية، ومن يعاني اضطرابًا في النظر أو صداعًا مستمرًا فالأولى أن يراجع المختص دون تأخير. ويفيد الرائي أن يتأمل قبل القرارات الكبيرة وأن يدوّن ما تعلمه من أسرته. وإذا ترافق ذلك مع قسط كافٍ من النوم والراحة، صار الذهن أقدر على الترتيب والتمييز.
هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ، ولا يصح أن يُعامل كأنه خبر يقيني. وخير ما يفعله الرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعو لأهله جميعًا بالخير والبركة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُبنى على الحلم قرار مصيري. اللهم اجعل ما رآه الرائي خيرًا وبارك له في أسرته وعلمه.
