قد يرى الرائي في منامه نظارة معلقة على صدره بسلسلة أو خيط أو مشبك في ثيابه، فيلفت انتباهه موضعها. والرؤيا رمزية في المقام الأول، وما فيها من صور يتأثر بما يشغل الرائي من أفكار وأعمال. فلا تُفهم على أنها خبر قاطع عن أمر بعينه. وإنما هي إشارة قابلة للتأمل تتفاوت دلالتها من شخص إلى آخر. ولهذا يُذكر ما يلي على سبيل الاحتمال.
النظارة المعلقة على الصدر أداة قريبة من صاحبها، تنتظر رفعها إلى الوجه عند الحاجة. ومن هنا قد ترمز في الحلم إلى جاهزية دائمة وقرب الوسيلة من صاحبها، أي أن الرائي يحمل معه وسيلة الفهم ولا يستعملها دائمًا. وقد تشير إلى استعداد للتدقيق متى لزم الأمر. وقد تعبّر أيضًا عن شعور بالاطمئنان إلى أن العون قريب. وهذه دلالات عامة تحتاج إلى مقابلتها بواقع الرائي.
نُسب إلى ابن سيرين أن ما يعلّقه الإنسان على نفسه في المنام قد يدل على ما يتصل به ويلازمه من أمر بحسب هيئته. وعلى هذا قد تُفهم النظارة المعلقة على الصدر على أنها إشارة إلى وسيلة ملازمة للرائي لا تفارقه. ويُذكر هذا النقل بحذر، لأن العبارات المنسوبة إلى المفسرين القدماء تتفاوت في ثبوتها بين الكتب. ولذلك يؤخذ منه المعنى العام فقط. ويبقى لحال الرائي وزنه الأكبر.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يوضع قريبًا من القلب والصدر في المنام قد يدل على عناية به وقرب منه بحسب هيئته. وتبعًا لذلك قد ترمز النظارة المعلقة على الصدر إلى اهتمام بوسيلة تعين على الفهم وحرص على بقائها قريبة. غير أن آراء المفسرين تختلف، فبعضهم يربط الصدر بما يُكتم ويُعتز به، وبعضهم يربطه بالتأهب، وبعضهم يتوقف عند حال الرائي. وهذا الاختلاف يعني أن الدلالات احتمالات متعددة. والأسلم أن يُنظر إلى المشهد كله.
وللسياق أثر كبير في المعنى. فإذا كانت النظارة معلقة بسلسلة أنيقة والرائي مرتاح، فقد يعبّر ذلك عن تنظيم وجاهزية. وإذا كانت تتأرجح وتصطدم بما حولها، فقد يدل المشهد على انشغال بأمر يعيق الحركة. وإذا كان يرفعها إلى وجهه ثم يعيدها، فقد يتصل المعنى بتردد بين النظر والتأجيل. وإذا نسي أنها معلقة وبحث عنها، فقد يُفهم ذلك على أن ما يبحث عنه قريب منه.
أما الطالب فقد تعبّر النظارة المعلقة على الصدر في منامه عن مذاكرة جاهزة متى احتاجها أو عن معرفة قريبة لا يستعملها كفاية. وقد تكون دعوة إلى الاستفادة مما لديه. وأما الموظف فقد تشير إلى مهارة جاهزة لا يظهرها دائمًا، أو إلى عمل يتطلب التنقل بين النظر القريب والبعيد. وقد تدل عند من يتعامل مع أوراق كثيرة على سهولة الوصول إلى أدواته. وهي قراءات نفسية ظنية لا غير.
وقد ترى المرأة نظارة معلقة على صدرها فتعبّر عندها عن ترتيب وجاهزية في شؤون بيتها وقراءتها. وإذا رآها رجل متزوج، فقد تدل على حرصه على أن تكون وسائله قريبة منه. وقد يراها الشاب عند قلة استخدامه لمهارة يملكها، فتدعوه إلى الاستفادة منها. وإذا رآها كبير في السن، فقد تذكّره بعادة مألوفة في حمل نظارته على صدره. وهذه كلها احتمالات ظنية.
ومن التفاصيل المفيدة نوع الحامل، أهو سلسلة معدنية أم حبل ناعم أم مشبك. فالسلسلة المعدنية قد توحي بحسن المظهر والثبات، والحبل الناعم بالبساطة، والمشبك بالاستعداد. وكذلك موضع النظارة، أهي على منتصف الصدر أم مائلة. وقد يضيف شعور الرائي دلالة، أهو ارتياح أم ثقل. ويُجمع ذلك كله مع واقع الرائي دون جزم.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد يكون الحلم دعوة إلى الاستفادة من الوسائل القريبة التي يملكها الرائي وعدم إهمالها. ويحسن بمن يستخدم نظارة أن يختار حاملًا مناسبًا يحفظها من السقوط، وأن يفحص نظره دوريًا عند طبيب العيون، وأن يمنح بصره فترات راحة بعيدًا عن الشاشات. والحلم ليس نصيحة طبية، ومن يعاني اضطرابًا في النظر أو صداعًا مستمرًا فالأولى أن يراجع المختص دون تأخير. ويفيد الرائي أن يتأمل قبل القرارات الكبيرة وأن يراجع ما لديه من إمكانات. وإذا ترافق ذلك مع قسط كافٍ من النوم والراحة، صار الذهن أقدر على الترتيب والتمييز.
هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ، ولا يصح أن يُعامل كأنه خبر يقيني. وخير ما يفعله الرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعو بالخير والتوفيق في أموره. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُبنى على الحلم قرار مصيري. اللهم اجعل ما رآه الرائي خيرًا وبارك له في وسائله وسعيه.
