قد يرى الرائي في منامه نظارة موضوعة على طاولة أمامه، فيتأمل مكانها وهيئتها. والرؤيا رمزية في المقام الأول، وما فيها من صور يتأثر بما يشغل الرائي من أفكار وأعمال. فلا تُفهم على أنها خبر قاطع عن أمر بعينه. وإنما هي إشارة قابلة للتأمل تتفاوت دلالتها من شخص إلى آخر. ولهذا يُذكر ما يلي على سبيل الاحتمال.
النظارة الموضوعة على الطاولة أداة في حال سكون، لا يرتديها أحد ولا يستعملها. ومن هنا قد ترمز في الحلم إلى أمر مؤجل ينتظر الانتباه أو إلى راحة مؤقتة قبل العودة إلى النظر والتدقيق. وقد تشير إلى أن الرائي وضع جانبًا فكرة أو مسألة ولم يعد إليها بعد. وقد تعبّر أيضًا عن استعداد قريب لتناولها والعودة إلى الأمر بوضوح. وهذه دلالات عامة تحتاج إلى مقابلتها بواقع الرائي.
نُسب إلى ابن سيرين أن الأدوات الموضوعة في أماكنها في المنام قد تدل على أمر مهيأ أو معدّ ينتظر وقته بحسب هيئته. وعلى هذا قد تُفهم النظارة على الطاولة على أنها إشارة إلى استعداد قائم لم يُستعمل بعد. ويُذكر هذا النقل بحذر، لأن العبارات المنسوبة إلى المفسرين القدماء تتفاوت في ثبوتها بين الكتب. ولذلك يؤخذ منه المعنى العام فقط. ويبقى لحال الرائي وزنه الأكبر.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الطاولة والمائدة في المنام قد ترتبط بالاجتماع والعمل والمجالس بحسب هيئتها. وتبعًا لذلك قد ترمز النظارة الموضوعة عليها إلى أمر معروض للنظر والمراجعة في مجلس أو عمل. غير أن آراء المفسرين تختلف، فبعضهم يربط الطاولة بالرزق والعمل، وبعضهم يربطها بالمجالس والعلاقات، وبعضهم يتوقف عند حال الرائي. وهذا الاختلاف يعني أن الدلالات احتمالات متعددة. والأسلم أن يُنظر إلى المشهد كله.
وللسياق أثر كبير في المعنى. فإذا كانت النظارة مرتبة على طاولة نظيفة، فقد يعبّر ذلك عن ترتيب واستعداد للعودة إلى الأمر. وإذا كانت وسط أوراق كثيرة، فقد يدل المشهد على أن الأمور متزاحمة وتحتاج إلى فرز. وإذا كان الرائي يمد يده إليها، فقد يتصل المعنى بقرب العودة إلى أمر مؤجل. وإذا كان يتركها حيث هي، فقد يُفهم ذلك على أنه يمنح نفسه استراحة.
أما الطالب فقد تعبّر النظارة على الطاولة في منامه عن كتاب مفتوح تُرك قليلًا أو عن مذاكرة مؤجلة تنتظر العودة. وقد تكون صدى لاستراحة بين فصلين دراسيين. وأما الموظف فقد تشير إلى مهمة موضوعة جانبًا أو إلى ملف ينتظر الفرز. وقد تدل عند من يرتب مكتبه على رغبة في تنظيم بيئة العمل. وهي قراءات نفسية ظنية لا غير.
وقد ترى المرأة نظارة على طاولة فتعبّر عندها عن أمر في البيت مؤجل أو عن فترات استراحة قصيرة بين المهام. وإذا رآها رجل متزوج، فقد تدل على أمر أسري ينتظر وقتًا للجلوس والتفاهم. وقد يراها الشاب عند تأجيله قرارًا دراسيًا أو مهنيًا، فتعبّر عن حاجته إلى العودة إليه بهدوء. وإذا رآها كبير في السن، فقد تعبّر عن هدوء الأيام وجلسة قراءة مألوفة. وهذه كلها احتمالات ظنية.
ومن التفاصيل المفيدة نوع الطاولة وما عليها. فالطاولة الخشبية قد توحي بالألفة، والزجاجية بالشفافية، ومكتب العمل بالمهام. وكذلك موضع النظارة، أهي في الوسط ظاهرة أم عند الطرف قد تسقط. وقد يضيف الضوء والوقت من اليوم دلالة، فالصباح قد يوحي بالبداية والمساء بالراحة. ويُجمع ذلك كله مع واقع الرائي دون جزم.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد يكون الحلم دعوة إلى استعادة أمر مؤجل بهدوء أو إلى منح النفس استراحة مستحقة. ويحسن بمن يستخدم نظارة أن يخصص لها مكانًا ثابتًا في بيته، وأن يفحص نظره دوريًا عند طبيب العيون، وأن يمنح بصره فترات راحة بعيدًا عن الشاشات. والحلم ليس نصيحة طبية، ومن يعاني اضطرابًا في النظر أو صداعًا مستمرًا فالأولى أن يراجع المختص دون تأخير. ويفيد الرائي أن يتأمل قبل القرارات الكبيرة وأن يكتب قائمة بالأمور المؤجلة. وإذا ترافق ذلك مع قسط كافٍ من النوم والراحة، صار الذهن أقدر على الترتيب والتمييز.
هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ، ولا يصح أن يُعامل كأنه خبر يقيني. وخير ما يفعله الرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعو بالخير والتوفيق في أموره. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُبنى على الحلم قرار مصيري. اللهم اجعل ما رآه الرائي خيرًا وبارك له في وقته وعمله.
