رؤية النظارة في منام المريض رؤيا يحسن أن تُقرأ بهدوء ورفق، فهي صورة رمزية تتصل بالنظر والفهم وتقدير الأمور. والرؤيا في أصلها تتكون مما يشغل النفس وما يمر بها في أيامها، ولا تصلح دليلًا على حال صحية ولا على مآل شيء. وتختلف دلالتها بحسب شعور الرائي وظروفه ومن يحيط به من أهل وأحبة. وما يلي احتمالات عامة في التأويل، لا تغني عن الطبيب ولا عن استشارة المختصين.
النظارة أداة تقرّب الأشياء وتزيدها وضوحًا، ولذلك ترتبط عند المعبرين بصفاء الرؤية وحسن الفهم. وقد ترمز إلى رغبة في فهم ما يمر به الإنسان بصورة أوضح، وإلى الانتباه للتفاصيل التي تخص راحته وتنظيم يومه. وقد تدل كذلك على الاحتراز والعناية، فالنظارة تصون النظر وتخفف عنه الجهد. ولا يصح الاقتصار على معنى واحد، فالرمز يتسع لدلالات متعددة بحسب صاحب الحلم.
نُسب إلى ابن سيرين أن الأدوات التي يتقوى بها المرء في شأنه تدل على ما يسنده ويقوّي أمره، وقد يُقاس عليها معنى النظارة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يوضع على الوجه من لباس وزينة يتصل بالهيئة والوقار بين الناس. ويختلف أهل التعبير في ذلك، فبعضهم يرجح معنى البصيرة، وبعضهم يرجح معنى المظهر والمكانة. ولذلك تؤخذ هذه الأقوال على أنها آراء تُقرأ بحذر، وهي أبعد ما تكون عن أن تُتخذ دليلًا على الصحة.
ويؤثر سياق الحلم في المعنى، فالنظارة الصافية توحي بوضوح الذهن وهدوئه، والمغبرة قد توحي بحاجة إلى تصفية ما يشغل الخاطر. ولبسها براحة قد يوحي باستعداد للنظر في الأمور بتأنٍّ، وخلعها قد يوحي برغبة في الراحة من كثرة التفكير. وشعور الرائي في الحلم من أهم ما يُنظر إليه، فالطمأنينة أقرب إلى معاني الصفاء، والانزعاج أقرب إلى معاني الانشغال. وهذه قراءات تقريبية لا يُبنى عليها أمر.
وللمريض أيام يكثر فيها التفكير والترقب وانتظار المواعيد، وقد تتزاحم في ذهنه الأفكار والأسئلة. فقد تعبر النظارة عنده عن رغبة في رؤية الأمور بوضوح وسكينة، وفي فهم ما يُقال له من إرشادات فهمًا أدق. وقد ترمز إلى حاجته إلى تنظيم يومه وأدويته ومواعيده بترتيب واضح. وهذا معنى رمزي عام لا يخبر عن حاله، بل يصف ما قد يدور في الذهن.
وإذا رأى المريض أنه يلبس نظارة جديدة فقد يُفهم ذلك على أنه رغبة في تجديد نظرته إلى يومه بطريقة أخف وأهدأ. وإذا رآها نظيفة صافية فقد يوحي ذلك بحاجته إلى صفاء داخلي واطمئنان. وإذا رأى أحد أقاربه يلبس النظارة فقد يوحي ذلك برغبته في فهمه والتفاهم معه بيسر. وكل هذه صور مفتوحة على أكثر من فهم، والتأمل فيها أولى من الجزم بها.
وتفاصيل الحلم تضيف ظلالًا للمعنى، فلون الإطار الهادئ قد يوحي بالسكينة، والإطار الخفيف قد يوحي بتخفف الذهن من الأثقال. والعدسات الصافية توحي بوضوح الفكرة، والعدسات المخدوشة قد توحي بتعب يحتاج إلى راحة. ومكان النظارة، قرب السرير أو على طاولة صغيرة، قد يشير إلى قرب ما ينشغل به الذهن. وهذه إشارات خفيفة لا ينبغي التوسع فيها أكثر مما تتسع له.
ومن الجانب العملي، ليس الحلم نصيحة طبية ولا بديلًا عن المراجعة، فالمتابعة مع الطبيب المختص هي الأصل في كل أمر يتعلق بالصحة. وإن شعر الرائي باضطراب في نظره أو بأعراض جديدة فعليه مراجعة الطبيب في وقتها دون تأخير. ومن الأمور اللطيفة إراحة البصر والاسترخاء وتهوية الغرفة والنوم المنتظم بحسب إرشاد الطبيب. ولا ينبغي أن يُستنتج من الحلم شيء عن مآل أي حال. وإنما هو صورة عابرة تدعو الرائي إلى الرفق بنفسه والاطمئنان إلى متابعة طبيبه.
ومن الجانب النفسي، قد يكون الحلم صدى لانشغال الذهن وكثرة التفكير في هذه الفترة، والنوم يعيد ترتيب الشواغل في صور رمزية. فإن استيقظ الرائي مرتاحًا فذلك يناسب معاني الصفاء، وإن استيقظ منزعجًا فقد ينفعه أن يتحدث مع أهله أو مع مختص ليخفف عن نفسه. ومن المفيد ألا يتتبع الرؤيا بالسؤال المتكرر، فالتكرار يزيد القلق ولا يزيد الفهم. وكلمة طيبة من قريب أو صديق قد تبعث في النفس طمأنينة تفوق أي تأويل.
هذه الأقوال كلها اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، وليست علمًا قاطعًا بما سيكون. وعلى الرائي أن يحسن الظن بالله تعالى ويكثر من الدعاء بأن يجعل له في أمره خيرًا وعافية وطمأنينة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُبنى على المنام قرار مصيري. والله أعلم بالصواب.
