من رأى في منامه أنه يبحث عن نظارته فقد رأى مشهدًا يرتبط في الرموز بالسعي إلى الوضوح والرغبة في ترتيب الأمور. وتختلف دلالته بحسب حال الرائي وما يشغله. والرؤيا رمزية في الغالب، وتأويلها اجتهاد يحتمل الصواب والخطأ. فلا ينبغي أن يجعلها الرائي سببًا لقلق أو لقرار حاسم، وإنما يتأملها بهدوء، فالبحث في المنام قد يكون صدى لانشغال النهار.
النظارة في الرموز تدل على وضوح الرؤية الذهنية والانتباه للتفاصيل وإعادة النظر في الأمور، والبحث عنها يُقرأ على أنه سعي إلى استرجاع هذا الوضوح. وقد يشير إلى رغبة في فهم أمر لم يتضح بعد، أو إلى تفتيش في الذهن عن حل. وهو كذلك صورة جهد وطلب، فمن يبحث يدل على أنه يريد الوصول. ولا يصح الجزم بأن في البحث إشارة إلى أمر خفي أو إلى ما سيقع. وإنما هو تعبير ذهني عن حاجة إلى الاهتداء.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب الرؤيا أن الطلب والبحث في المنام قد يدل على سعي في تحصيل أمر ما بحسب المطلوب. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن من طلب ما ينفعه عُبّر ذلك بسعيه في أسباب معاشه. وقد يُقاس على ذلك البحث عن النظارة بأنه سعي إلى استعادة وسيلة الفهم. وتختلف الآراء في هذا الباب، فمنهم من يقرؤه جدًا في الطلب، ومنهم من يقرؤه حيرة، ومنهم من يقرؤه انشغالًا. وليس في النظارة بالذات قول مجمع عليه.
يتغير المعنى بحسب السياق، فمن بحث عنها بهدوء وتدرج فالأقرب أنه يرتب أفكاره بروية. ومن بحث عنها بعجلة واضطراب فقد يعبّر عن توتر من أمر لم يتضح. وإن بحث في أماكن كثيرة فقد يوحي ذلك بتعدد الخيارات أمامه، وإن بحث في مكان واحد فقد يوحي بتركيز على أمر محدد. وللمكان أثره، فالبحث في البيت غير البحث في العمل أو الطريق.
إذا كان الرائي طالبًا فقد يدل بحثه عن النظارة على رغبة في استعادة تركيزه أو البحث عن طريقة تناسب مذاكرته. وقد يكون انعكاسًا لازدحام المقررات وحاجته إلى جدول واضح. وقد يرمز إلى سعيه في فهم موضوع صعب. وتبقى هذه القراءات تقديرية، والمذاكرة المنتظمة هي الأصل في النجاح.
أما العامل أو صاحب المهنة فقد يدل بحثه عن النظارة في منامه على سعي إلى حل لمشكلة في عمله أو إلى ترتيب أولوياته. وقد يعكس انشغاله بتفاصيل كثيرة تتطلب انتباهه. وللمتزوج قد تكون الرؤيا دعوة هادئة إلى البحث عن أسباب التفاهم والحوار في البيت. وقد تعبّر لرب الأسرة عن اهتمام بتدبير أمور أهله. ويبقى ذلك احتمالًا لا جزمًا.
وإن كانت الرائية امرأة فقد يُقرأ البحث عن النظارة عندها على أنه سعي إلى ترتيب أمور كثيرة تشغلها أو رغبة في صفاء الفكر. وقد يرتبط عند بعضهم برغبة في الاطمئنان إلى قرار قبل المضي فيه. وللمتقدم في السن قد يكون المشهد انعكاسًا لعادة البحث عن النظارة في يومه، فلا يحمل رمزًا خاصًا. ولذا يُسأل الرائي أولًا عن عاداته مع نظارته في واقعه.
ومن التفاصيل مكان البحث وحاله، فإن كان المكان مرتبًا فقد يوحي ذلك بسهولة الوصول، وإن كان مزدحمًا فقد يوحي بتشتت الذهن. وقد يسأل الرائي غيره عنها فيُقرأ ذلك على أنه طلب معونة، وقد يتذكر مكانها فجأة فيُقرأ على أنه اتضاح فكرة. وقد يستمر البحث دون نتيجة فيُقرأ على أنه حاجة إلى التريث وعدم الاستعجال. وليس لأي من هذه التفاصيل معنى ثابت عند جميع المعبرين، وشعور الرائي في الحلم أدل على المقصود. ولذلك يحسن أن يقارن الرائي الصورة بما يمر به من أحوال ثم يأخذ منها ما يناسبه فقط دون تكلف أو تهويل.
ومن الزاوية العملية والنفسية فإن هذه الرؤيا قد تكون صدى لانشغال الرائي بكثرة أغراضه أو بخوفه من نسيانها. ولذلك يحسن بمن يشعر بتغير في وضوح نظره أن يراجع طبيب العيون لفحص دوري، فالحلم ليس نصيحة طبية ولا يغني عن الفحص. ومن المفيد تخصيص مكان ثابت للنظارة وأخذ فترات راحة للبصر بعد القراءة الطويلة. كما يفيد التأمل قبل القرارات المهمة وتدوين المهام ليخف الازدحام الذهني. فهذه الخطوات أنفع من الانشغال بتأويلات بعيدة.
هذا كله اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يبلغ درجة اليقين في شأن الرائي. وحسن الظن بالله هو الأصل، ومن رأى ما يسره فليحمد الله، ومن رأى ما يزعجه فليدعُ الله بالخير وليطمئن قلبه. ويُدعى الله أن يرزق الرائي صفاء الفكر وسلامة البصر وصلاح الحال. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا تُبنى على الرؤيا قرارات مصيرية. والله أعلم.
