رؤية جد الأب في المنام، أي الجد الأبعد الذي هو أبو جد الرائي من جهة أبيه، تستحضر عمق النسب وجذور الأسرة الأولى. وينبغي التنويه إلى أن الرؤيا رمزية وليست حرفية، فلا تعني أن أمرًا بعينه سيقع. وهي في الغالب تعبّر عن تأمل في الأصل أو فضول حول تاريخ الأسرة أو حنين إلى ما قبل الذاكرة المباشرة. ولذلك فإن القراءة الهادئة أنفع من الجزم أو التهويل. وما يُذكر هنا إشارات عامة تتفاوت من رائٍ إلى آخر.
الجد في الرموز يدل على الجذور والأصل والخبرة والذاكرة العائلية، ويرتبط بالحنين وصلة الأجيال والسند. وجد الأب أبعد درجة من الجد المعتاد، فكأنه يمثل الطبقة الأعمق من الجذور، تلك التي يعرفها الإنسان بالأسماء والروايات أكثر مما يعرفها بالمعايشة. وقد يوحي ظهوره باهتمام الرائي بنسب أسرته وأصلها. وقد يعبّر كذلك عن رغبة في الانتماء إلى سلسلة ممتدة. وهذه قراءة عامة، والرائي أعرف بحاله.
وفي الكتب القديمة نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُروى عنه أن رؤية الآباء والأجداد قد تتصل بالأصل والنسب وأخبار الأهل بحسب هيئتهم. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن دلالة الأقارب تتبدل بحالهم وما يظهر عليهم. غير أن رؤية جد الأب بهذه الدرجة من البعد من الرموز الأقل شيوعًا، ولذلك فهي أقل تناولًا في الكتب القديمة. وتتعدد آراء المعبرين، فلا يصح اعتماد قول واحد. والأقرب أن تُقرأ في ضوء رمزية الجد العامة مع مراعاة حال الرائي.
للسياق أثر كبير في المعنى. فإن ظهر جد الأب بوجه مألوف مطمئن فالمشهد أقرب إلى الألفة والانتماء، وإن ظهر بملامح غير واضحة فقد يعكس أن الرائي لا يعرف الكثير عن أصل أسرته ويرغب في أن يعرف. وإن كان في مكان قديم كقرية أو بيت عتيق فالإيحاء يتجه إلى ذاكرة المكان الأول، وإن كان في مكان حاضر فقد يدل على أن الأصل يرافق الرائي في حاضره. ومن المفيد أن يتذكر الرائي ما شعر به عندما رآه.
إذا كانت الرائية عزباء فقد يعبّر المشهد عن رغبتها في فهم جذورها وفي أن تجد لنفسها مكانًا ثابتًا في سلسلة أسرتها، خاصة إن كانت على أعتاب مرحلة جديدة. وحضور هذا الجد البعيد قد يرمز إلى عمق السند. ولا يعني ذلك أن أمرًا بعينه سيقع. ويحسن بها أن تسأل كبار أسرتها عن تاريخ عائلتها. فالمعرفة بالأصل تمنح الطمأنينة.
وللمتزوجة قد يرتبط المشهد برغبتها في نقل تاريخ الأسرة إلى أولادها وتعريفهم بجذورهم. وقد تعكس الرؤيا شعورها بأن لأسرتها امتدادًا أعمق مما ترى في حياتها اليومية. وإن كانت حاملًا فقد تتجه مشاعرها إلى الامتداد الذي سيحمله المولود، فيظهر الجد البعيد رمزًا للسلسلة التي ينتمي إليها. وهي قراءة رمزية قد لا تنطبق على كل حالة. فالأحلام في هذه الفترة تتأثر بالتأمل والترقب.
وإذا كان الرائي رجلًا فقد يرتبط المشهد بتفكيره في اسم أسرته وسمعتها وما يرثه عنها من قيم، وبمسؤوليته في أن يحفظ ذلك لأبنائه. وقد يعكس فضوله حول مسقط رأس أجداده. وإن كان يمر بقرار فقد يستحضر قيم الأصل التي تعلمها. وكل ذلك احتمال لا قطع فيه. والرائي أدرى بظروفه.
وللتفاصيل الدقيقة قيمتها. فملابس الجد وهيئته قد توحي بعصر قديم أو ببيئة معينة، ولغة كلامه إن تكلم، وهل يعرفه الرائي من صورة قديمة أم يراه لأول مرة، وهل يبدو مرتاحًا أم متأملًا، كلها تضيف نبرة إلى المعنى. وكثيرًا ما تتشكل صورة الأجداد البعيدين في الحلم من صور أو روايات سمعها الرائي في صغره. وإذا كان حيًّا، وهو أمر نادر، فقد يكون المشهد دافعًا إلى زيارته. وإذا كان قد رحل فالأقرب أن تُقرأ الرؤيا كذاكرة وحنين وصلة بالجذور وانعكاس لما في نفس الرائي، دون ادعاء شيء عن حاله.
ومن الناحية العملية والنفسية، قد يكون المشهد دعوة إلى التعرف على تاريخ الأسرة، كالسؤال عن شجرة العائلة وجمع الصور والوثائق القديمة وتدوين الأسماء والأماكن. ويمكن للرائي أن يجلس مع أكبر أقاربه سنًا ليسمع منه ما يحفظه من أخبار الأجداد. وإن غلب عليه الحنين فلا بأس بمشاركته مع قريب موثوق. والحلم ليس نصيحة طبية، والحزن الشديد المستمر يستحق الكلام مع مختص أو مع أحد الأهل. فالمعرفة بالأصل تزيد المرء ثباتًا.
وخلاصة القول إن رؤية جد الأب قد ترمز إلى عمق الجذور وطلب المعرفة بالأصل واتساع سلسلة الأجيال، على أن يبقى ذلك احتمالًا لا يقينًا. وهذا كله اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ، ولا يصح أن يُعد خبرًا عن المستقبل. ويحسن بالرائي أن يُحسن الظن بالله، وأن يدعوه بالطمأنينة وصلاح الأحوال. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. والله أعلم.
