إذا رأى الإنسان جده يبتسم له ثم يغيب في المنام فقد يستيقظ وفي نفسه دفء ممزوج بشجن لطيف. والأحلام لغة رمزية تعبّر عن معانٍ داخلية بصور مألوفة، وليست إخبارًا حرفيًا بحدث قادم ولا قولًا عن حال أحد. لذلك يحسن أن تُقرأ هذه الصورة بهدوء ورفق، وأن تُفهم على أنها تعبير عما في نفس الرائي من مشاعر. ويختلف المعنى بحسب طريقة الغياب وما رافق الابتسامة من إحساس. وهذه قراءة عامة تقوم على الاحتمال ولا تدّعي اليقين.
الجد في عالم الرموز يمثل الأصل والجذور والامتداد، فهو يربط الإنسان بمن سبقه من أجيال وبما ورثه من قيم وذكريات. ويشير في كثير من التأويلات إلى الخبرة الطويلة والرأي المتزن والسند الذي يُرجع إليه عند الحاجة. كما يرمز إلى الذاكرة العائلية بما فيها من قصص وعادات تنتقل بين الأجيال. والابتسامة في لغة الأحلام ترمز عادة إلى الألفة والقبول، والغياب يرمز إلى مرور الأيام وتبدل الأحوال. وهذه معانٍ عامة لا يُجزم بها ولا يُهوَّل منها.
نُسب إلى ابن سيرين أن رؤية الأب والأجداد وكبار الأقارب تدل في الجملة على الأصل والمكانة والسند، وأن الهيئة الحسنة فيها تشير إلى معانٍ طيبة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ظهور الأهل في المنام قد يعبّر عن صلة بهم وعن اهتمام يحيط بالرائي. وتتفاوت آراء المعبّرين في التفاصيل، ومنهم من يجعل حال الرائي وظروفه أساس التأويل لا الرمز وحده. كما أن صورة الجد وهو يبتسم ثم يغيب بعينها أقل تناولًا في الكتب القديمة، فلا يتوفر فيها تفصيل واسع. ولذلك يبقى الأنسب ربط الصورة بسياق الرائي ومشاعره.
للسياق أثر واضح في المعنى، فالغياب الذي يعقب الابتسامة بهدوء يختلف عن الغياب المفاجئ أو المصحوب بحزن. وإذا كان الجد حيًا في الواقع فقد تكون الرؤيا انعكاسًا لشعور الرائي بأن الأيام تمضي وأن فرص اللقاء تحتاج إلى اغتنام. وإذا كان متوفى فالأقرب أن تُفهم الصورة على أنها ذاكرة وحنين وصلة بالجذور، وانعكاس لما في نفس الرائي لا أكثر، ولا يصح أن يُنسب إليها علم بحال أحد من المتوفين ولا معنى مقصود من الابتسامة أو الغياب. ويؤثر المكان كذلك، فالمشهد في بيت العائلة القديم يميل إلى الذكريات، والمشهد في مكان مفتوح يميل إلى معنى الانتقال. وتظل مشاعر الرائي أثناء الحلم هي المفتاح الأهم للفهم.
وقد تدل ابتسامة الجد ثم غيابه في المنام على ذكرى جميلة تمرّ بالقلب ثم تمضي كما تمضي الأيام. وقد تعبّر عن تقبّل داخلي لتغير الأحوال، أي أن الرائي يتصالح مع حقيقة أن بعض الأوقات لا تعود. وإن استيقظ الرائي مطمئنًا فقد يُقرأ ذلك على أنه سلام داخلي مع الذكرى. وإن استيقظ حزينًا فقد يعكس حنينًا لم يأخذ حقه في التعبير. وليست هذه إخبارات بشيء، وإنما إشارات تعين على فهم النفس.
وتختلف القراءة بحسب حال الرائي، فالمرأة المتزوجة قد يرتبط عندها الحلم بحنينها إلى بيت أهلها وأيام صباها. والعزباء أو الشاب قد يعبّر الحلم عندهما عن انتقال من مرحلة إلى أخرى مع بقاء الاعتزاز بالأصل. والحزين أو المهموم قد يعكس الحلم عنده حاجة إلى أنس عابر يخفف الثقل. وكبير السن قد يرتبط عنده بتأمل مسيرة الأيام. وفي كل ذلك تبقى المعاني ظنية تتحدد بحال كل إنسان.
في التفاصيل الدقيقة ما يستحق التأمل دون مبالغة، فكيف كانت الابتسامة وكيف غاب الجد وهل كان يلتفت أو يمضي بهدوء كلها قرائن تُضم إلى بعضها. فإن غاب في ضوء هادئ فقد يشير ذلك إلى ذكرى تتلاشى برفق مع الأيام. وإن غاب وهو يلوّح بيده فقد يُفهم ذلك على أنه رمز لتقبل الرائي للفراق بحب. وإن غاب بغتة بعد الابتسامة فقد يعبّر عن شعور بسرعة مرور الأيام. ولا يصح الجزم بشيء من هذا، فكثير من تفاصيل الأحلام مصدره انشغالات اليوم.
ومن الناحية النفسية والعملية قد يكون الحلم دعوة هادئة إلى اغتنام اللقاءات مع الأهل الأحياء، وإلى الاحتفاء بالذكريات الجميلة دون ألم. ويحسن بالرائي أن يدوّن ما يتذكره عن جده من مواقف طيبة وأن يرويها لمن حوله. ومن المفيد أن يزور كبار السن في أسرته أو يتصل بهم ويستمع إلى قصصهم، فهذا يقوّي الصلة ويخفف الشجن. وإن شعر بحزن ثقيل أو حنين مؤلم بعد الحلم فلا بأس أن يتكلم مع أحد أهله أو صديق قريب. وإن استمر ذلك أسابيع وأثّر في حياته فالأفضل أن يستعين بمختص.
وخلاصة القول إن حلم جد يبتسم ثم يغيب يميل في الغالب إلى معاني الحنين الهادئ وتقبّل مرور الأيام والاعتزاز بالأصل، ويتغير بحسب تفاصيل الحلم وحال صاحبه. وكل ما سبق اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا ينبغي أن يُبنى عليه خوف أو قرار. ويحسن بالرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعو لنفسه ولأهله بالخير والطمأنينة. والغيب لا يعلمه إلا الله، وما تراه النفس في منامها لا يغيّر ما قدّره الله. فليهدأ قلبه وليمضِ في يومه بسكينة.
