حين يرى كبير السن قبرًا في منامه فقد يستيقظ وفي قلبه رهبة، وربما ظن أن للرؤيا صلة بعمره. والصواب أن الرؤيا رمزية وليست حرفية، وهي لا تدل على موت أحد ولا ترتبط بعدد السنين. الأقرب أنها صورة تصنعها الذاكرة العميقة لمن عاش طويلًا وراكم في قلبه ذكريات كثيرة. ولذلك فالأحسن أن يقابلها بهدوء وبتأمل ودود في مسيرته. وما يأتي من معانٍ يبقى اجتهادًا في الفهم لا جزم فيه.
القبر في عالم الرموز يوحي بالسكون والنهاية وإغلاق صفحة والانتقال إلى أخرى. وعند كبير السن قد يعبّر عن كتاب العمر وما فيه من فصول طُويت، وعن أحبة وأصدقاء غابوا وبقيت أسماؤهم في القلب. وقد يرمز إلى رغبة في مصالحة الماضي وطي خلافات قديمة تريد النفس أن تهدأ منها. وقد يكون صدى لشعور بالوحدة بعد انصراف الأيام وتفرق الرفاق. وهذه كلها معانٍ نفسية تدور حول الذاكرة والحنين.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما أوردته كتب التعبير أن القبر قد يُفسَّر بالبيت أو بالمقام أو بانغلاق حال وانفتاح حال آخر. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أقوال تتعلق بالتحول والاستقرار بحسب هيئة الرؤيا وحال صاحبها. وتتعدد آراء المعبّرين في هذا الرمز تعددًا واسعًا، فلا يصح التعويل على قول واحد. كما أن الرموز الأقل شيوعًا أقل تناولًا في الكتب القديمة، فتبقى القراءة فيها اجتهادية وأقل يقينًا. ولا يصح أن تُحمل هذه الأقوال على أنها إخبار عن عمر أحد أو أجله.
يؤثر السياق في اتجاه المعنى، فالمشهد الهادئ المضيء يوحي بالسكينة، والمشهد المعتم يعكس القلق أو التعب. وعلى كبير السن أن يتأمل شعوره أثناء الحلم، هل كان اشتياقًا أم طمأنينة أم قلقًا. ومن المفيد أن يتذكر ما كان يشغله قبل النوم من أحوال أولاده وأحفاده، وذكريات مرّت بخاطره، ومناسبات اجتماعية، وأخبار سمعها. فالأحلام تلتقط هذه البقايا وتعيد تشكيلها بصور رمزية. وكلما جمع التفاصيل كان ربطها بحياته أيسر.
لكبير السن قد يرمز القبر إلى مراجعة العمر وما أُنجز فيه، وإلى الرغبة في ترك أثر طيب بين الأبناء والأحفاد. وقد يعكس حنينًا إلى بيت الطفولة وأيام الشباب وزمن كانت فيه الوجوه أكثر حضورًا. وقد يدل على قلق من الوحدة أو من الاعتماد على الآخرين أو من تغيّر الصحة والقدرة. وقد يكون دعوة إلى أن يمنح قلبه راحة وطمأنينة بما قدّمه. وكل ذلك قراءة لحالته النفسية فقط.
وإذا شعر بالطمأنينة أمام القبر فقد يرمز ذلك إلى رضاه عن مسيرته وسلامه مع ما مضى. وإن شعر بالخوف فقد يدل على قلق مفهوم من مرحلة العمر ومتغيراتها يحتاج إلى مساحة وتعبير. وقد يظهر في الحلم أولاده أو أحفاده، فيكون ذلك رمزًا لحرصه عليهم وتعلقه بهم. وليس في الرؤيا ما يدعو إلى الانقباض أو إلى ترتيب أمور خوفًا من شيء. بل هي مناسبة لطيفة لتقوية الروابط وطلب الأنس.
ومن التفاصيل الدقيقة نظافة المكان واتساعه ولون السماء والإضاءة ووجود أشجار أو أزهار أو طريق. والمكان المنظم الجميل أميل إلى معاني السكينة والرضا. أما المكان المهمل فقد يشير إلى أمور في النفس تحتاج إلى طي وتصالح. وتُفسَّر الأصوات والوجوه رموزًا لأفكار الرائي لا حقائق خارجية. وتبقى كل تفصيلة مقروءة في ضوء عمره وظروفه وما اختبره في حياته.
وللأسرة دور كبير في هذه المرحلة، فالجلوس مع كبير السن والاستماع إلى قصصه وذكرياته يمنحه شعورًا بالقيمة والأنس. وحين يخبر أهله بحلمه ينبغي أن يقابلوه بالهدوء واللطف دون تهويل ولا ربط بعمره أو حاله. ويكفي أن يطمئنوه بأن الأحلام تتأثر بالذكريات وبقلة النوم وبما يمر به الإنسان من مشاعر. وكلما شعر بالقرب من أحبته خف وقع هذه الصور في قلبه. وهذه الأجواء الدافئة من أهم أسباب الراحة النفسية في كل عمر.
عمليًا ونفسيًا، يفيد كبير السن أن يحافظ على روتين هادئ من نوم وحركة خفيفة وغذاء ملائم، وأن يتواصل مع الأحبة بالزيارة أو الاتصال. ويساعده تدوين ذكرياته أو روايتها للأحفاد على تحويل الحنين إلى عطاء. والحلم وتفسيره ليسا نصيحة طبية أو نفسية متخصصة، فإذا استمر الحزن الشديد أو القلق من الفقد أو ظهرت أفكار مقلقة فالأفضل الكلام مع مختص أو أحد الأهل. وطلب العون من الأبناء أو الطبيب علامة نضج ووعي. والعناية بالصحة النفسية لا يحدها عمر.
ما سبق اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، ولا يصح أن يكون سببًا للخوف أو القلق. وعلى الرائي أن يحسن الظن بالله وأن يطمئن قلبه ويستأنس بمن حوله. ويُرجى أن يرزقه الله سكينة وعافية وبركة في الأهل والأيام. والدعاء بالطمأنينة والتيسير باب مفتوح في كل حال. أما الغيب فلا يعلمه إلا الله وحده.
