يحمل مشهد القبر في الصحراء طابعًا من الصمت والاتساع، فلا شيء حوله سوى الرمل والسماء، وهو ما يجعل الحلم لافتًا لمن يراه. ينبغي أن يُفهم هذا المشهد على أنه رموز تنسجها النفس من خواطرها ومشاعرها، وليس خبرًا عن أمر سيقع. لا تدل هذه الرؤيا على موت أحد، ولا تُربط بأحد من الأقارب أو المعارف. وهي في أصلها صورة قد تعبّر عن حال من العزلة أو الصفاء أو التفكير الطويل. ويظل التفسير اجتهادًا يقرأ المعاني المحتملة دون قطع بشيء منها.
القبر في عالم الرموز يدل في الغالب على النهايات وإغلاق المراحل وبقاء الذكرى بعد انقضاء الحدث. وقد يعكس الحنين إلى أحبة بعدوا أو إلى أيام مضت لا تعود، كما قد يشير إلى ما يدفنه الإنسان من عادة قديمة أو همّ مزمن أو طموح تأجل. وربما عبّر عن مشاعر القلق أو الفقد التي تسكن القلب في صمت. ولذلك فهو يشبه حجر الذاكرة الذي يضعه الإنسان في داخله ليتذكر به شيئًا مرّ. ولا يصح حصره في معنى واحد لأن الصور تختلف باختلاف أصحابها.
الصحراء رمز للاتساع والخلو والبُعد عن الزحام، وقد تعني مرحلة يشعر فيها الإنسان بأنه وحيد في طريقه أو أنه يمشي مسافة طويلة دون علامات واضحة. وحين يوجد القبر وسط هذا الفراغ فقد يشير إلى ذكرى تقف وحدها في ذاكرة الرائي، لا يشاركه أحد في حملها. وقد يدل كذلك على رغبة في الابتعاد عن الضجيج ليفكر بهدوء في ما انتهى. والرمل الذي يغطي ويكشف قد يرمز إلى ذكريات تختفي حينًا ثم تظهر حين تهب عليها رياح الحنين. وهي كلها معانٍ رمزية تتصل بالنفس لا بالواقع.
نُسب إلى ابن سيرين أن الصحراء في الرؤيا قد تدل على مكان واسع يختلف تعبيره بحال الرائي وما يصاحبه من علامات أخرى. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن خلو المكان من الناس قد يعبّر عن انفراد بالهمّ أو بالفكر أو بالأمر الذي يشغل صاحبه. وتتباين آراء المعبّرين، فمنهم من يجعل السعة علامة انفراج، ومنهم من يجعلها علامة خلوة وتأمل. وهذه الأقوال لا تُؤخذ قاعدة ثابتة، وإنما تُذكر لإظهار تعدد القراءات. والمعوّل عليه في النهاية هو ما يجده الرائي في نفسه من مشاعر عند ذكر المشهد.
يتغير معنى الحلم بحسب تفاصيل الصحراء، فإن كانت الشمس حارقة والرياح عاتية فقد يشير ذلك إلى ضغط نفسي أو تعب من مسؤوليات تثقل صاحبها. وإن كان الجو معتدلًا والمكان هادئًا فقد يدل على صفاء ذهن وقدرة على مواجهة الذكريات بسكينة. ووجود سراب أو أفق بعيد قد يعكس تعلق الرائي بأمل لم يتضح بعد، أو شعورًا بأن الوصول بعيد. أما إحساس الرائي داخل الحلم فهو أهم القرائن، فالراحة تختلف عن الخوف، والدهشة تختلف عن الحزن. وكلها دلائل على الحالة الداخلية فحسب.
بالنسبة للعزباء قد يدل الحلم على فترة تأمل في الذات وفي ما تريده من الحياة، وربما على رغبة في أن تغلق بابًا قديمًا قبل أن تفتح بابًا جديدًا. وبالنسبة للمتزوجة قد يعكس حاجتها إلى مساحة خاصة وسط واجبات البيت، أو حنينًا إلى أيام سابقة أكثر هدوءًا. وبالنسبة للحامل قد يرمز إلى شعور بالترقب والانتظار الطويل، وهو شعور طبيعي لا يحمل في ذاته معنى سيئًا. وهو لا يرتبط بحملها ولا بصحتها ولا بأحد من أسرتها. وإنما هو تعبير عن مشاعر الانتظار والسكون.
وبالنسبة للرجل قد يعكس الحلم مرحلة من الوحدة في الفكر أو العمل، يحمل فيها همًّا لا يشاركه فيه أحد، أو يشعر أنه يقطع مسافة طويلة وحده. وبالنسبة للطالب قد يشير إلى طريق طويل من الدراسة والاجتهاد يشعر أنه بلا علامات بعد. وبالنسبة للتاجر قد يدل على مشروع قديم توقف، أو سوق خالٍ يحتاج إلى إعادة نظر وصبر. وبالنسبة للمسافر قد يعبّر عن حنين إلى الوطن والأهل ومشاعر بُعد وغربة. وكل ذلك تأويل رمزي لحال الرائي لا أكثر.
من الناحية العملية والنفسية، قد يكون الحلم تذكيرًا بحاجة الرائي إلى أنس وصحبة، وإلى أن يشارك ما في قلبه مع شخص يثق به. وقد يفيده أن يخصص وقتًا هادئًا للتأمل، وأن يكتب ما يشغله، وأن يخرج إلى مكان مفتوح يستعيد فيه هدوءه. وليس هذا الكلام نصيحة طبية ولا نفسية متخصصة، وإنما هو قراءة عامة للمعنى. وإذا طالت مشاعر الحزن الشديد أو القلق من الفقد أو الوحدة وأثرت في الحياة اليومية، فمن الحسن أن يتحدث الرائي إلى مختص أو إلى فرد من أسرته يطمئن إليه. فالكلمة الطيبة والصحبة الصادقة تخففان كثيرًا من ثقل الصمت.
وبعد هذه القراءة يبقى التفسير اجتهادًا بشريًا ظنيًا يحتمل الصواب والخطأ، ولا ينبغي أن يُبنى عليه خوف أو قرار حاسم. ويحسن بالرائي أن يدعو الله بالطمأنينة والسكينة وأن يحسن الظن به، فإن حسن الظن يخفف ثقل المشاهد التي ترى في المنام. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُستدل بالرؤيا على أمر مجهول. وما على الإنسان إلا أن يأخذ بالأسباب ويسير في طريقه بقلب مطمئن.
