رؤية القبر بلون غريب لا يشبه ما اعتاده الرائي في الواقع، كأن يكون أزرق أو بنفسجيًا أو ذهبيًا أو متدرج الألوان، من الرؤى اللافتة التي تثير الفضول. وهي رؤيا رمزية لا تدل على موت أحد ولا على أمر مكروه، فالألوان في المنام تعبير عن المشاعر قبل أن تكون وصفًا للأشياء. والقبر هنا يمثل الذكرى والنهاية والحنين، واللون الغريب يلوّنها بحالة الرائي النفسية. وتُقرأ الصورة بوصفها مرآة لمشاعر الرائي لا خبرًا عن أحد. ومن الخير أن يتأملها بهدوء وفضول.
القبر في لغة الرموز يرتبط بالنهايات وما استقر في الذاكرة وما يُدفن من همّ قديم. وحين يظهر بلون غير مألوف فكأن النفس تضيف إلى الذكرى طابعًا شعوريًا خاصًا، فتجعلها أخف أو أعمق أو أغرب بحسب ما تحمل. وقد يدل اللون الغريب على أن الرائي ينظر إلى ماضيه بزاوية مختلفة عن المعتاد. وقد يعكس تداخل مشاعر متعددة في نفسه كالحنين والأسف والامتنان معًا. وكل ذلك احتمالات لا جزم فيها، فالصورة مفتوحة على أكثر من قراءة.
نُسب إلى ابن سيرين أن الألوان في المنام لها دلالات تتعلق بحال الرائي وبما يُعرف من معانيها عند الناس، وإن اختلف ذلك باختلاف الأعراف والأزمنة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن اللون تابع للشيء الذي يظهر عليه، فلا يُفسَّر منفصلًا عن سياقه. واختلفت الأقوال في معاني كل لون اختلافًا واسعًا، وبعضها لا يثبت عند التحقيق. فيحسن عدم التسرع في حمل لون بعينه على معنى ثابت. والأقرب أن يُترك التأويل لإحساس الرائي ولما يعنيه له ذلك اللون.
للون أثره في المعنى، فاللون الأزرق الهادئ قد يميل إلى معنى السكينة والتأمل، والأخضر إلى التجدد والأمل، والأبيض إلى الصفاء. أما اللون الأحمر الغامق فقد يوحي بمشاعر حادة أو انفعال مكتوم، والرمادي بحياد أو فتور، والأسود بثقل أو غموض. والألوان المتداخلة أو المتغيرة قد تدل على تقلب المشاعر وعدم استقرارها. وهذه كلها دلالات نفسية عامة مأخوذة من تجارب إنسانية لا من نص قاطع. وللرائي أن يسأل نفسه ماذا يعني له كل لون في حياته.
للمرأة المتزوجة قد تعبّر الرؤيا عن مشاعر متداخلة تجاه ذكريات بيتها وأهلها، فيها حنين وفيها شيء من الدهشة مما تغيّر. وللعزباء قد تدل على أن ذكرى أو علاقة قديمة تكتسب في قلبها لونًا جديدًا مع مرور الأيام، فتراها بعين أنضج. وللحامل قد تعكس تقلب المشاعر المعتاد في هذه المرحلة، وحاجتها إلى الهدوء والطمأنينة. وهي معانٍ نفسية رمزية لا ترتبط بحدث خارجي. وتختلف من رائية لأخرى بحسب ما تحمله في داخلها.
وللرجل قد تدل الرؤيا على اختلاط مشاعره تجاه ماضٍ يحمل فيه فخرًا وأسفًا وشوقًا في آن واحد. وللطالب قد تشير إلى نظرة مختلفة لمرحلة دراسية مضت، يراها الآن بألوان لم يلحظها وقتها. وللتاجر قد تعكس شعورًا غريبًا تجاه تجربة قديمة لم يحسم رأيه فيها. وللمسافر قد تعبّر عن اختلاف صورة وطنه في خياله بعد طول غياب. وفي كل ذلك اللون الغريب مرآة لتعدد المشاعر لا لحدث بعينه.
من التفاصيل المهمة سطوع اللون وهدوؤه، فاللون الهادئ المتناسق يميل إلى مصالحة مع الذكرى، واللون الصارخ يميل إلى انفعال لم يُحسم. وإذا تغير اللون أثناء المنام فقد يدل على تحول في مشاعر الرائي أثناء مروره بالذكرى. وإذا كان القبر متدرج الألوان كقوس الألوان فقد يوحي بتنوع المشاعر واجتماع الأضداد في القلب. وإذا بدا اللون مضيئًا فقد يوحي بأمل ودفء يرافقان الذكرى. ومن المفيد أن يتذكر الرائي ما حول القبر من نور أو ظل أو نبات، فذلك يضيف دقة للتأويل. ولا يُحمل أي تفصيل على معنى قاطع.
من الناحية العملية قد يفيد الرائي أن يكتب وصفًا للون الذي رآه وما يذكّره به في حياته، فالتدوين يكشف أحيانًا ما لا يظهر بالتفكير فقط. ويفيد أن يسمّي مشاعره المختلطة بأسمائها ويتقبل أن يجتمع في القلب أكثر من إحساس. ويفيد قضاء وقت في الطبيعة أو في أماكن مضيئة تعيد للنفس توازنها. وهذا التفسير ليس نصيحة طبية أو نفسية متخصصة، فإذا استمر الحزن الشديد أو القلق من الفقد وأثّر في الحياة اليومية فمن الحسن استشارة مختص أو أحد الأهل. والرؤيا هنا قد تكون دعوة لطيفة إلى فهم الذات.
كل ما سبق اجتهاد بشري ظني، وقد يصيب وقد يخطئ، ولا ينبغي أن يُبنى عليه خوف أو قرار. والرائي مدعو إلى حسن الظن بالله وإلى الدعاء بأن يجعل الله ما رآه خيرًا ويملأ قلبه سكينة ورضا. فالغيب لا يعلمه إلا الله، وما في المنام صور تعبّر عن النفس أكثر مما تخبر عن الغد. اللهم اجعل هذا المنام خيرًا لصاحبه وبارك له في طمأنينته. والله أعلم.
