رؤية الإنسان نفسه يلمس قبرًا في المنام مشهد يحمل قربًا حسيًا من رمز مهيب، وقد يترك في النفس إحساسًا بالرقة أو الرهبة. وهذه الصورة رمزية تنسجها النفس من خواطرها وذكرياتها وما تمر به من مشاعر. لا تدل الرؤيا على موت أحد، ولا تُربط بأي شخص من الأهل أو الأصدقاء. وهي أقرب إلى حركة داخلية يحاول فيها الرائي أن يقترب من ذكرى يحنّ إليها. ويبقى تفسيرها اجتهادًا يتلمس المعاني دون جزم بشيء.
القبر في الرموز يدل غالبًا على النهايات وإغلاق المراحل وبقاء الذكرى بعد انقضاء الحدث. وقد يعبّر عن الحنين إلى أحبة غابوا أو أيام مضت، كما قد يرمز إلى ما يدفنه الإنسان من عادة قديمة أو همّ ثقيل. وقد يعكس مشاعر القلق أو الفقد التي يحملها القلب بصمت. واللمس في ذاته انتقال من النظر إلى التواصل، فهو يقرّب الرائي من هذه الرموز بصورة مباشرة. ولا يصح الجزم بمعنى واحد فالرموز تتغير بتغير الأحوال.
أما اللمس فهو رمز للتواصل والاقتراب والتحقق، وقد يدل على رغبة الإنسان في أن يشعر بحقيقة أمر ما بيده لا بعينه فقط. وحين يلمس القبر فقد يعبّر عن حنين إلى ذكرى عزيزة يود أن يقترب منها ويستشعرها، أو عن رغبة في طمأنة نفسه بأن ما مضى قد انتهى فعلًا. وقد يدل على لطف في التعامل مع الماضي، فاليد التي تمسّ بهدوء ترمز إلى رفق بالذكريات. وربما أشار إلى حاجة إلى لمسة حنان في حياة الرائي نفسه. وكل ذلك رموز لحال النفس وحدها.
نُسب إلى ابن سيرين في باب اللمس والمسّ بالأيدي أنه قد يدل على صلة وقرب واتصال بحسب حال الرائي وما يلمسه. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما تمسه اليد في الرؤيا له أثر في التعبير، فالناعم غير الخشن، والدافئ غير البارد. وتتفاوت آراء المعبّرين في هذه الصور، فمنهم من يربط اللمس بالصلة والارتباط، ومنهم من يقف عند طبيعة الشيء الملموس. ولا تُؤخذ هذه الأقوال قاعدة ملزمة، فهي تُذكر للاستئناس وبيان تعدد القراءات. والمرجع ما يجده الرائي من مشاعر في المشهد.
لسياق الحلم أثر كبير في المعنى، فاللمس الرقيق الهادئ قد يشير إلى حنين لطيف ومصالحة مع الذكرى. واللمس المتردد أو الخائف قد يدل على رغبة في الاقتراب مع تخوف من فتح جرح قديم. وإذا كان سطح القبر ناعمًا دافئًا فقد يعبّر عن راحة وألفة، وإذا كان باردًا خشنًا فقد يدل على مشاعر ثقيلة أو جامدة. وإذا سحب الرائي يده بسرعة فقد يشير ذلك إلى حاجة إلى مسافة آمنة مع مشاعره. وكذلك يختلف المعنى بحسب إحساسه هل كان مطمئنًا أم قلقًا أم حزينًا. وهذه التفاصيل تخص حالته الداخلية لا غير.
بالنسبة للمرأة العزباء قد يعبّر الحلم عن حنين إلى ذكرى قديمة ورغبة في الشعور بالدفء والاحتواء، وعن لطف تجاه ماضيها. وللمتزوجة قد يرمز إلى شوق إلى أيام مضت أو أهل بعيدين، مع حاجة إلى حنان يعيد إليها الطمأنينة. وللحامل قد يعكس مشاعر رقة وحنانًا وترقبًا لما هو قادم، وحاجة إلى القرب والدعم. ولا يحمل ذلك دلالة سلبية تتعلق بها أو بأحد من أسرتها. وإنما هو انعكاس لما في القلب من حنان وانتظار.
وبالنسبة للرجل قد يرتبط الحلم برغبة في الاقتراب من ذكرى أو مرحلة كان يعتزّ بها، وربما صعب عليه التعبير عن مشاعره أمام الناس. وللطالب قد يعبّر عن تعلق بمرحلة دراسية انقضت ورغبة في استحضارها بوضوح. وللتاجر قد يشير إلى حنين إلى شراكة أو مشروع قديم كان له مكانة في نفسه. وللمسنّ قد يحمل معنى الاقتراب من ذكريات الأيام الخوالي والأحبة القدامى بحنين رقيق. ويبقى كل ذلك رمزًا لحال الرائي.
من الجانب العملي والنفسي، قد يكون الحلم دعوة إلى أن يمنح الرائي نفسه قدرًا من الحنان والرفق، وأن يعبّر عن مشاعره بوسائل آمنة. وقد يفيده أن يحتفظ بشيء بسيط يذكّره بما يعتزّ به، وأن يتحدث مع شخص قريب يطمئن إليه، وأن يكتب ما في قلبه. وليس هذا الكلام نصيحة طبية ولا نفسية متخصصة، وإنما هو قراءة عامة لمعاني الرؤيا. وإذا طال الحزن الشديد أو القلق من الفقد وأثر في النوم والعمل، فمن المناسب أن يتكلم الرائي مع مختص أو مع أحد أهله المقربين. فاللمسة الحانية تبدأ من الرفق بالنفس.
ويبقى هذا التفسير اجتهادًا بشريًا ظنيًا لا يبلغ اليقين، وقد يصيب المعبّر وقد يخطئ، فلا ينبغي أن يُبنى عليه خوف أو قرار مصيري. ويحسن بالرائي أن يدعو الله بالطمأنينة وراحة البال وأن يحسن الظن به في كل حال. وإذا بقي أثر المشهد في نفسه فليتذكر أن القرب من الذكرى لا يمنع المضي، وأن القلب يتسع للحنين والأمل معًا. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وعلى الإنسان أن يأخذ بالأسباب ويمضي مطمئنًا.
