قد يرى النائم شعر طفل في المنام، أيمشطه أو يقصه أو يداعبه أو يراه طويلًا أو قصيرًا أو متساقطًا، وهي صورة تحمل في الغالب شعورًا بالحنان والرعاية. والمشهد رمزي في الأصل، ولا يُفهم على أنه خبر حرفي عن طفل بعينه أو عن مستقبله. وتتبدل قراءته بحسب هيئة الشعر وصلة الرائي بالطفل وحاله. وفيما يلي عرض هادئ لوجوه المعنى المحتملة بعيدًا عن الجزم والتهويل.
الطفل في الأحلام يرمز عادة إلى البراءة والبدايات والرعاية وما يحتاج إلى عناية وحماية، والشعر يرمز إلى الهيئة والعناية بالنفس والزينة والعمر. فاجتماعهما قد يشير إلى اهتمام الرائي بما يقوم برعايته من أمور أو أشخاص. وقد يشير إلى رغبته في الاعتناء بجانب بريء في نفسه. وقد يعبّر عن مرحلة بداية جديدة تحتاج إلى حنان وصبر. وقد يدل كذلك على صلة قريبة بطفل في الواقع وما يشغل الرائي بشأنه.
نُسب إلى ابن سيرين أن الولد في الرؤيا يتصل في الجملة بالسرور والذرية وبعض الهموم بحسب الحال، وأن الشعر يتصل بالمال والهيئة والأحوال، فيُقاس اجتماعهما بحسب حال الرائي. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن للصغار في الرؤيا وجوهًا تختلف بحسب هيئتهم وما يصيبهم، ولا يُقطع بمعنى واحد. وتتفاوت آراء الشارحين في ذلك، ولا يوجد قول متفق عليه. والرموز الدقيقة الأقل شيوعًا، ومنها هذا المشهد، أقل تناولًا في الكتب القديمة، فتبقى الأقوال اجتهادًا عامًا.
السياق يوجه المعنى توجيهًا كبيرًا. فإن كان الشعر جميلًا مرتبًا والطفل مبتسمًا، فالأقرب أن الحلم يعبّر عن طمأنينة ورضا. وإن كان مشعثًا أو متساقطًا والطفل متعبًا، فقد يعبّر عن قلق الرائي على من يرعاه. وإن كان الرائي يمشطه أو يغسله، فقد يدل على اهتمام ورعاية. ويؤثر المكان والأجواء، فالبيت المألوف يوحي بالأسرة، والحديقة توحي بالراحة واللعب. وكل ذلك يضيف إلى الحلم معنى يخص صاحبه.
في رؤية العزباء قد يتصل الحلم بحنين إلى الأمومة أو الرعاية، أو بصلة بطفل من أقاربها، أو بجانب بريء تريد الاعتناء به في نفسها. وقد يكون مجرد صدى لوقت قضته مع صغير. أما المتزوجة فقد يتصل الحلم عندها بأبنائها وانشغالها بشؤونهم وعنايتها بهم، وقد يكون صدى للعناية اليومية. وإن لم يكن لها أبناء فقد يعبّر عن أمنية أو حنان. وهذه كلها احتمالات عامة. وليس في الحلم ما يدل على شيء يخص الأبناء أو غيرهم.
وللرجل قد يتصل الحلم بصلته بأبنائه أو بصغار في أسرته، أو بشعوره بالمسؤولية نحو من يعولهم. وقد يعبّر عن رغبة في قضاء وقت أكبر معهم. وفي رؤية الحامل غالبًا ما يعبّر الحلم عن انشغالها الطبيعي بالطفل القادم وبتفاصيل رعايته، وهو انشغال مألوف. ولا يحمل المنام خبرًا عن جنسه أو صحته أو موعد الولادة. ويكفي أن تطمئن وتدعو لطفلها بالخير.
من التفاصيل الدقيقة لون الشعر وطوله وملمسه. فالشعر الناعم القصير يوحي ببداية رقيقة، والطويل يوحي بنمو وزمن ممتد. وإن كان يُقص برفق فقد يوحي بترتيب مرحلة جديدة، وإن كان يتساقط فقد يوحي بقلق الرائي من تغيرات الصغار. وإن كان الطفل يضحك فالمعنى أخف، وإن كان يبكي فقد يوحي بحاجة إلى مزيد من العناية. وإن كان نائمًا هادئًا فالمعنى أقرب إلى السكينة.
ومن زوايا القراءة أن ينظر الرائي إلى هوية الطفل في الحلم، أهو طفله أم قريب أم غريب أم مجرد طفل مجهول. فطفله يتصل بشعور المسؤولية المباشرة، والقريب يتصل بالعلاقة معه، والغريب يتصل بمعنى البدايات عامة. وإن كان الرائي يرى نفسه طفلًا فقد يتصل بذكريات الطفولة وحنين إليها. وكل ذلك صورة لشعور الرائي أكثر منها خبرًا عن حدث. ولا يلزم ربطه بحدث قريب.
نفسيًا، قد تعبّر هذه الأحلام عن حاجة الإنسان إلى الحنان أو عن قلقه الطبيعي على من يحب. ويفيد الرائي أن يمنح الصغار وقتًا من الاهتمام والإصغاء، وأن يمنح نفسه راحة. ويحسن أن يعتني بشعر الصغار بلطف وبما يناسب بشرتهم. والحلم ليس نصيحة طبية، فإذا كان تساقط شعر الطفل في الواقع مقلقًا فالمناسب مراجعة طبيب الأطفال لا الاكتفاء بتأويل منام.
هذا كله اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، فلا يُبنى عليه قرار مهم. وحسن الظن بالله يبعث الطمأنينة، فليدعُ الرائي بالخير والصحة لمن يحب وليقل اللهم اجعله خيرًا. والغيب لا يعلمه إلا الله، فلا حاجة إلى القلق من صورة عابرة. وليحرص الرائي على الرحمة والصبر مع الصغار.
