رؤية الشعر في الماء من المشاهد التي تلفت النظر بعد الاستيقاظ، فقد يرى النائم خصلات تطفو في كأس أو بحر أو حوض أو نهر. وهي صورة رمزية لا يصح أن تُحمَل على ظاهرها، فالأحلام تعبّر بالمألوف عن شعور أو معنى لا يظهر مباشرة. ومعناها يتوقف على صفاء الماء ومكانه وعلى إحساس الرائي أثناء الحلم. وفيما يلي عرض متدرج لوجوه القراءة المحتملة دون جزم ولا تهويل.
الماء في الرؤيا يرتبط عادة بالحياة والصفاء والمشاعر والاستمرار، وقد يُقرأ كذلك على أنه ميدان الأحوال المتقلبة. والشعر يرتبط بالهيئة والعناية بالنفس والعمر والهموم. فإذا اجتمعا، أمكن أن يشير المشهد إلى هم أو انشغال امتزج بأمر صاف، أو إلى أثر من الماضي ظهر في حاضر هادئ. وقد يشير كذلك إلى رغبة في التطهر من الأعباء والبدء من جديد، خاصة إن كان الرائي يغسل شعره في الحلم. وقد لا يتجاوز المعنى انتباهًا لتفصيل عابر في يوم هادئ.
نُسب إلى ابن سيرين أن الماء الصافي في الرؤيا يدل في الجملة على خير وسعة وصفاء حال، وأن الماء المتكدر يُحمل على تعب وتغير بحسب كدرته. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الشعر وما يتصل به يقاس على المال والأحوال، فيكون اجتماعه بالماء بحسب حال الماء وحال الرائي. وتختلف آراء الشارحين في تفاصيل ذلك، ولا يوجد قول واحد متفق عليه. والصورة المركبة من الشعر والماء معًا أقل تناولًا في الكتب القديمة. ولذلك يعتمد أغلب ما يُقال على القياس والاجتهاد.
يتغير المعنى كثيرًا بحسب حال الماء. فإذا كان الماء صافيًا والشعر قليلًا، فالأقرب أن الحلم يشير إلى هم خفيف لا يعكّر الصفو. وإذا كان الماء راكدًا أو عكرًا، فقد يعبّر المشهد عن أفكار متراكمة تحتاج إلى ترتيب. وللمكان دلالة أيضًا، فالبحر يوحي بسعة الأمر، والكأس يوحي بشأن قريب ومحدود، والحوض أو الحمّام يوحي بشأن العناية والتطهر. وكذلك حركة الماء، فالجاري يميل إلى التغير والتجدد، والساكن يميل إلى الانتظار.
في رؤية العزباء قد يتصل الحلم بمشاعر تتردد بين الصفاء والقلق في مرحلة انتقالية، أو برغبة في تنقية بعض علاقاتها وأفكارها. وإن كان الماء صافيًا فالمعنى يميل إلى الطمأنينة والتجاوز. أما المتزوجة فقد يتصل الحلم عندها بأجواء البيت وما يعكرها أو يصفيها من مشاغل يومية، وبرغبتها في هدوء أكبر. ويبقى ذلك احتمالًا عامًا، فكل امرأة تقرأ حلمها بحسب ظروفها.
وللرجل قد يتصل الحلم بأمر عمل أو مال يسير على نحو هادئ لكن يشوبه تفصيل صغير يحسن الانتباه إليه. وقد يعبّر عن حاجة إلى تنقية الذهن من الهموم الصغيرة التي تعلق به. وفي رؤية الحامل غالبًا ما يرتبط الماء في الأحلام بالشعور بالسكينة والاستعداد، فيأتي الشعر معه صدى لانشغال الجسد والتحضير. ولا يحمل المنام خبرًا يخص الجنين أو موعد الولادة.
في التفاصيل الدقيقة يهم عدد الشعرات، فالشعرة الواحدة أخف دلالة من خصلة كاملة. وإن كان الشعر يطفو على السطح فالأمر ظاهر وسهل التعامل معه، وإن كان يغوص فالأمر أعمق وأقل وضوحًا. وإن كان الرائي يخرج الشعر من الماء بيده فقد يدل ذلك على قدرته على معالجة ما يزعجه. وإن كان يغسل الشعر بالماء الصافي فقد يدل على تجدد وتخفف من أعباء قديمة.
ومن زوايا القراءة أن ينظر الرائي إلى علاقته بالماء في الحلم، أهو يسبح فيه بارتياح أم يخشاه ويبتعد. فالارتياح يميل إلى قبول التغيير، والخوف يميل إلى قلق من المجهول. وإذا كان الماء في موضع مألوف كالبيت فالأمر قريب من الحياة اليومية، وإذا كان في موضع بعيد فالأمر قد يتصل بمرحلة جديدة. وهذه الإشارات كلها قابلة للتغير بحسب ما يعيشه الإنسان.
نفسيًا، يظهر الماء كثيرًا في الأحلام في الفترات التي يحتاج فيها الإنسان إلى راحة أو إلى تفريغ مشاعره. ويفيد الرائي أن يمنح نفسه وقتًا هادئًا، وأن يتحدث مع من يثق به عما يشغله، وأن يعتني بنومه وغذائه. والحلم ليس نصيحة طبية، فإذا كان تساقط الشعر مشكلة حقيقية في اليقظة فالمناسب استشارة طبيب مختص.
كل ما سبق اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ، ولا يصح أن يُتخذ سببًا لقلق أو قرار. وحسن الظن بالله يبعث الطمأنينة، فليدعُ الرائي بالخير والصفاء وليقل اللهم اجعله خيرًا. والغيب لا يعلمه إلا الله، فلا حاجة إلى الاسترسال في تأويل صورة عابرة. وليمض الرائي في يومه بقلب مطمئن.
