يرى الرجل الشعر في منامه بصور مختلفة، فقد يراه كثيفًا أو خفيفًا، أسود أو أبيض، قصيرًا أو طويلًا، وقد يرى نفسه عند الحلاق أو أمام المرآة. والرؤيا في أصلها لغة رمزية تعبّر عن الأفكار والمشاعر، وليست إخبارًا حرفيًا عما سيقع. ولذلك يحسن أن يقرأ الرائي رؤياه بهدوء، وأن يربطها بحاله الفعلي ولا يتوقف عند ظاهر الصورة. وما يرد هنا قراءة عامة تقريبية قد تصلح في موضع ولا تصلح في آخر. ويبقى لكل رائي ظرفه الذي يغيّر المعنى.
يرمز الشعر في كثير من القراءات إلى الهيئة والمظهر أمام الناس، وإلى مقدار العناية بالنفس والاهتمام بالزينة. كما يرتبط بمراحل العمر وما تحمله من تبدل في الشكل والمسؤوليات. ويُقرأ أحيانًا على أنه رمز للهموم التي تعلو الرأس أو تنزاح عنه، وللتجدد حين يتغير شكله إلى الأحسن. وهذه الدلالات عامة لا تعمل بمعزل عن شعور الرائي وتفاصيل الحلم. فالشعر الكثيف قد يوحي بالامتلاء عند شخص ويوحي بالثقل عند آخر.
نُسب إلى ابن سيرين فيما رُوي عنه أن الشعر الحسن الكثيف قد يُقرأ على أنه مال وجاه وسعة في الحال، وأن نقصانه قد يُقرأ على أنه ضيق أو انشغال بالديون والأعباء. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الشعر يتصل بالمنزلة بين الناس وبما يملكه الإنسان من زينة الدنيا. وتختلف الآراء بين المفسرين في هذا الباب، فمنهم من يشدد ومنهم من يتساهل في التعبير. أما الرموز الأقل شيوعًا فهي أقل تناولًا في الكتب القديمة، ولذلك يبقى الاجتهاد فيها أوسع وأقل ثباتًا. فلا تُتخذ هذه الأقوال قاعدة جازمة تُبنى عليها الأمور.
يتحدد المعنى كثيرًا بحسب السياق، فمكان الرؤيا ومن كان حاضرًا فيها وشعور الرائي كلها عناصر مؤثرة. فإذا رأى الرجل شعره مرتبًا وهو مطمئن، فقد يُقرأ ذلك على أنه رضا عن حاله أو رغبة في استقرار أموره. وإذا رآه مبعثرًا وهو منزعج، فقد يعكس ذلك كثرة المشاغل أو شعورًا بأن الأمور غير منتظمة. وللمكان دور أيضًا، فالشعر في العمل يختلف في قراءته عن الشعر في البيت أو الطريق. والأفضل أن يدون الرائي التفاصيل التي يتذكرها فور استيقاظه.
وأول ما يرتبط بالرجل غالبًا العمل والكسب وتحمل المسؤولية تجاه أسرته، لذلك قد يتصل الشعر في منامه بهذه الجوانب. فالشعر الكثيف الأسود قد يُقرأ على أنه نشاط وقوة وهمة في السعي. والشعر الأبيض قد يُقرأ على أنه خبرة وهدوء ومرور سنين، لا نقصًا ولا عيبًا. أما الشعر الخفيف فقد يعكس شعورًا بالتعب أو بقلة الموارد أو بالرغبة في تخفيف الأعباء. وكل ذلك احتمال يُوزن بما يعيشه الرائي فعلًا من ظروف.
وهناك جانب يتصل بصورة الرجل أمام أسرته وزملائه، فقد يرى نفسه يمشط شعره بعناية، وهذا يُقرأ غالبًا على أنه رغبة في ترتيب أموره والظهور بصورة مريحة. وقد يراه عند الحلاق يقصه، فيُقرأ على أنه تخفف من عبء أو بداية جديدة بعد انشغال. وقد يرى من يمس شعره، فالقراءة تتبع الشعور، أمريحًا كان أم مزعجًا. ومن الخطأ ربط الرؤيا باتهام أحد أو ظن سوء به، فالأحلام لا تصلح دليلًا على الناس. والأولى أن تكون الرؤيا دعوة إلى مراجعة هادئة للنفس.
وللتفاصيل الدقيقة أثرها في القراءة؛ فالشعر النظيف اللامع يُفهم عادة على أنه صفاء وراحة، والمغبّر المتشابك يُفهم على أنه تعب وانشغال. وتغير اللون إلى أفتح أو أغمق قد يشير إلى تبدل في المزاج أو الظروف. وطول الشعر قد يشير إلى امتداد المهام، وقصره قد يشير إلى رغبة في الاختصار والتخفف. وإذا ظهر الشعر في المرآة فربما كان في ذلك ميل إلى مراجعة النفس والنظر في الحال. غير أن هذه كلها إشارات ظنية تحتاج إلى حذر.
ومن الزاوية العملية والنفسية، فإن الأحلام تتأثر بما يشغل الذهن قبل النوم من أعمال وتعب ومخاوف. وقد يكون الرجل قلقًا من تقدمه في السن أو من تغير مظهره فانعكس ذلك في منامه دون معنى أبعد. وينفع الاهتمام بالنوم الكافي والمشي والكلام مع شخص قريب عن الضغوط. والحلم ليس نصيحة طبية، ومن وجد تغيرًا حقيقيًا في شعره أو صحته فالأولى استشارة طبيب مختص. ولا حاجة إلى تحميل الرؤيا فوق ما تحتمل.
وخلاصة القول أن رؤية الشعر للرجل تحتمل معاني متعددة بين الهيئة والعمل والعمر والهموم، ولا ينحصر تفسيرها في وجه واحد. وكل ما سبق اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، وليس خبرًا يقينيًا. والأجمل أن يحسن الرائي الظن بربه، وأن يدعو بالخير والتوفيق وصلاح الحال. والغيب لا يعلمه إلا الله، فلا يُبنى على الحلم خوف ولا اغترار. ويبقى العمل الجاد والتوكل على الله خير ما يلتزمه الإنسان في أموره.
